( 1 )

لا أحد يستطيع إنكار تأثير الحرب العالمية الأولى أو الثانية – وبالأخص الأخيرة – وما خلفته كُل مِنهما من آثار هتكت النفس البشرية، خلخلتها، ووجهتها ناحية التغيير في كافة قطاعات الحياة، وتبديل وجهات النظر، وتغير الأيديولوجية الفكرية، وهذا التُغير أو – إن شئت قُلت – العصيان طال الأدب، ومنها المسرح فظهرت الكثير من النزعات لتحوير المسرح، ومنها مسرح العبث، ومسرح اللامعقول.

يقول الناقد مارتن إسلن: «إن مسرح اللامعقول يسعى جاهدًا للتعبير عن معنى لا معنى الوضع الإنساني، وعن قصور العقلانية عن طريق التخلي الصريح عن الوسائل العقلانية والتفكير المنطقي».

أو بتعريف أكثر تبسيطًا إن هذا المسرح يجعل البدائل الخيالية هي الدواء لأية معضلة بشرية أو إنسانية قد تحدث للفرد؛ فإن كان شفاء الإنسان من عذابه الوجودي سيتم من خلال السفر إلى مجرات أخرى فلا بأس أبدًا من فعل ذلك، بل وسيبدو حلًا منطقيًا عند «اللا معقولي».

ولقد ظهر في مسرحية (الرجل ذو الحقائب) ليوجين يونسكو التي ترجمتها د. نادية كامل، وصدرت عن سلسلة «من المسرح العالمي» الكويتية.

المسرحية تتناول الحديث عن رجل لا يعرف من هو؟ لا يعرف نفسه، أقاربه، بل إنّه لا يعرف المكان الذي هو فيه، والذي انفتحت عليه ستارة المسرح. فهو باحث عن الهوية، يبعثر الكون للبحث عن نفسه بالترحال ما بين الأماكن المُختلفة، بحقائب ثلاث، اختفت واحدة في إشارة لإهمال الشخص تجاه نفسه، تجاه معرفة ذاته، وظلت جواره اثنتان، لذا ظل مُتشبثًا بهما، ولا ينفصلُ عنهما، ظل مُتماسكًا بنفسه فيهما.

 

يجوب  الدُنيا من مكان لآخر أو بالأحرى من لا مكان إلى لا مكان؛ ليرى الموتى وقد تجسدوا في عالم الأحياء، مثل – أقاربه – الذين يُبعثون مرة أخرى للحياة، يتجادلون، يُذكرونه بأنفسهم، يختفون ثم يظهر غيرهم وهكذا. يجوب ليرى عبث الحياة من تصرفات وأفعال البشر ومحاكمته؛ لأنّه أجنبي قد اشترى بنجرًا وبطاطس من السوق دون إذن.

الدولة وقد لبست في المسرحية رداء الشرطة وتمثلت فيها. في البدء أخذت هذا اللا منتمي في أحضانها، تُريد مساندته، مساعدته، ولكن فجأة ينقلب الحال، تنعكس قوانين الدنيا، تفسر الشرطة كُل ما تُريده من وجهة نظرها هي لا الحقيقة، تُفسر وفق الهوى، عاملة بقول ويل ديورانت:

«نحن لا نفعل الأشياء لأن عندنا أسبابًا لعدم فعلها، ولكننا نلتمس الأسباب لأننا نود فعلها».

صراع مرير ما بين المجتمع متمثلًا في عبثيته، وفوضويته التي ألقت بظلالها عليه وجعلته فردًا ممسوخًا لا يعرف نفسه ولا حتى اسمه.

بل إن الحياة في حد ذاتها ما هي إلا مسرحية عبثية، لا قيمة لها، ولا فائدة من ورائها، وإن المرادف والمعادل الموضوعي لها هو الألم، وهذا قد اتضح من خلال ديالوج ما بين الممرضة والطبيب، واللا منتمي الذي هو في النص المسرحي اسمه «الرجل  الأول»:

«الممرضة: أمامك مباشرة. يا دكتور توجد الجثث تتمدد على هكتارات وهكتارات يا له من عمل.

الطبيب: إنه واجب الطبيب.

الرجل الأول: ماذا ستصنع بها.

الممرضة: نعيدها للحياة. نحن نقوم بعملية الموت الرحيم المعكوسة.

الرجل الأول: ربما لا يريدون ذلك.

الطبيب: لن نسألهم رأيهم. نحن في حاجة إلى ممثلين، صامتين، إلى مناصرين، ومحاربين.

الرجل الأول: سيتألمون.

الطبيب: إنّها الحياة!».

 

( 2 )

تركيب المسرحية غريب، غير مألوف ومختلف بشكل تام عن المسرحية الأرسطية التي تقوم على وحدة الزمان والمكان ووحدة الموضوع، هنا مثلًا لا يوجد مكان، فأول ما تُفتتح المسرحية تقرأ هذه الجملة:

(ديكور: اللا مكان، جو ضبابي)، وربما عند تمثيلها على المسرح قد استعان بأداء صوتي، ليهيئ لك الجو العام. بل أنت أحيانًا في باريس، ثم في حديقة غناء، ثم في فندق يسكنه عجائز يتضح أنّه مستشفى، ثم في حفل راقص مدعو له أناس من طبقات أرستقراطية عُليا، وهكذا كان ترحال الرجل ذي الحقائب، من اللا مكان، إلى مكان مُحدد ولكنه في داخله، في طياته الداخلية لا مكان.

 

الزمن كذلك غير واضحة معالمه، فتارة البطل يرى نفسه في عام 1938م وتارة أخري في عام 1942م، وأخرى قد تعدى كُل ذلك إلى عام 1950م، ومرة أخرى يعود إلى أول العهد وسابقه، وهذا التفسخ الزمني يتم في المشهد الواحد دون أن تسدل الستارة، أو حتى يخرج البطل من على الخشبة، ويُمهل نفسه لالتقاط الأنفاس.

فالزمن ليس خطًا مستقيمًا له بداية وسينتهي لا محالة إلى نهاية، وإنما هو – إن أردت تمثيله واقعيًا – فلتأت بورقة، اكتب فوقها أ ثم مسافة ب مسافة ج مسافة د، ارسم سهمًا من أ إلى ب، وآخر من ج إلى أ، ثم آخر من أ إلى د، ثم آخر من ب إلى د وهكذا، ستجد نفسك في النهاية قد وقعت في شبكة عنكبوتية ضخمة لا حد لها، وهذا ما فعله يونسكو في الزمن.

بل إن الزمن نفسه لم يكن مُتحكمًا في خط سير المسرحية، بل في حياة الأشخاص، فالشخص اللا منتمي قابل فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، أشاح بوجهه فقط لثوانٍ فأصبحت في الـ25 من عمرها، تحدث إليها فقالت له إنّها قد صارت في الـ26 وهكذا، فمحدودية الزمن غير موجودة، الزمن هوائي، طائر، مُتنقل، لا يُحد.

 

من المعروف أن المسرحيات تُقسم إلى فصول، ويندرج تحت الفصول المناظر والمشاهد المُختلفة، هنا يونسكو مُتمرد على هذا النمط التقليدي العتيد، وإنما المسرحية كُلها عبارة عن مشاهد مُتقاطعة مع حياة اللا منتمي، دخول وخروج الشخصيات لا منطق فيهما، بل أحيانًا تظهر شخصيات لا أصل لها في البناء الدارمي للمسرحية، وتظهر بلا منطق، بل إنه لا يتحدد بعدد من الشخصيات على المسرحية، فمثلًا في مشهد النهاية، قبل أن تسدل المسرحية، ستُلاحظ على  الخشبة طنينًا كالنحل، أقدامًا تروح وتجيء في سرعة، في عُجالة، في حالة من العبث والفوضى لتُشكل هرموناية تتوافق مع الجو العام للنص.

إن المنطق السائد هو مسرح اللا منطق، أو اللا معقول أو كما يفضل يُوجين يونسكو أن يطلق عليه «المسرح المضاد»، وهو تعبير يُجابه به المسرح الأرسطي التقليدي المألوف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد