فازت مرشحة فرنسا وزيرة الثقافة السابقة أودري أزولاي في انتخابات اليونسكو لمنصب مدير عام المنظمة يوم الجمعة الماضي على منافسها القطري وزير الثقافة السابق حمد الكواري 30 مقابل 28، بعد منافسة ماراثونية أقيمت بينهما، سبقها بساعات في نفس اليوم فوز أزولاي على مرشحة مصر مشيرة خطاب 31 مقابل 25.

بغض النظر عن الخلاف السياسي بين مصر وقطر – فلم يحنّ الدم المصري في الجولة الأخيرة والفاصلة في السباق، بل دعمت مصر مرشحة فرنسا وأعلنت ذلك في وسائل الإعلام نكاية في قطر.

بالتأكيد منصب مدير عام اليونسكو مهم خصوصًا في ظل هذه التطورات التي تحيط بالمنطقة، لكن العرب اجتمعوا على أن تتفرق أصواتهم في المنظمات الدولية، ويدعموا مرشحة فرنسا – ذات الأصول المغربية والتي هي ابنة مستشار ملك المغرب. لماذا لم يتحد العرب على دعم بعضهم البعض في المنظمات الدولية؟ لماذا لم تضع مصر الخلاف السياسي جانبًا وتدعم مرشحة قطر، الذي كان بدوره سيكون تمثيلًا للعرب كلهم في هذه المنظمة المهمة؟

ما ذنب الشعوب العربية في الخلاف الذي يظهر بين الحكام وبعضهم البعض؟ فالشعوب لا يجب أن تتأثر بمثل هذه الخلافات.

وإذا كانت قطر قد خسرت في الجولة الأخيرة، فهي في نظر الكثيرين قد حققت انتصارًا كبيرًا منذ بداية المنافسة، حيث كانت تتصدر قائمة المنافسين بأعلى الأصوات، وظلت هكذا حتى الجولة الأخيرة، ولولا الخلاف الآني بين مصر وقطر، لحصلت الدوحة أو القاهرة على منصب مدير عام المنظمة دون مجهود كبير، لكن ماذا نقول «لعن الله السياسة التي تجعلنا نخسر بعضنا البعض ولا نغتنم فرصة مثل هذه».

الغريب في هذا الأمر أن مشيرة خطاب في الجولة الأولى من التصويت أدانت بشدة ترشح فرنسا لأنها دولة المقر وقالت «إن هناك اتفاقًا ضمنيًا بألا تترشح فرنسا وتنافس على هذا المنصب».

ما يهمنا نحن العرب – رغم أني لست مقتنعًا بمقولة الدول العربية والجامعة العربية والعروبة ومثل هذه العبارات الجوفاء التي لا وجود لها على أرض الواقع – أننا لم نعد إخوة كما كنا ندرس وقت زمن البراءة، لم نعد نحتشد من أجل بعضنا البعض، لم نعد نحب بعضنا البعض، لم تعد مصالحنا واحدة واهتماماتنا واحدة. فكل الذي تعلمناه ودرسناه لم نره على أرض الواقع، فلم نر سودان موحدًا ولا يمنًا مستقرًا ولا عراقًا متقدمًا ولا سوريا مستقرة ولا ليبيا واحدة ولا مصرًا مزدهرة ولا خليجًا متناغمًا وموحدًا.

لم يحن الدم العربي في اليونسكو، بل قتل العربي شقيقه العربي من أجل الصراع على السلطة من أنظمة ديكتاتورية سعت أن تظل في الحكم ما دامت أنفاسها في صدرها بل ربما تظن أنها لن تموت وستظل باقية أبد الدهر. لم نر هذا الوجه القبيح إلا في بلاد ما تسمى «بلاد العرب» التي يعين بعض حكامها الغرب والأوروبيين على حساب أشقائهم وبني جلدتهم.

لم يقتدِ هؤلاء الحكام العرب الذين يدعمون الغرب والأوروبيين على حساب عروبتهم وقيمهم الإسلامية بالبيت الذي يقول «بلدي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام».

أفرزت انتخابات اليونسكو أقبح ما فينا، نتيجة لصراع مؤقت قد يزول يومًا ما، وقد نندم على ما اقترفناه في حق بعضنا البعض، كثير من الشعوب تتقاتل وتتخاصم لكنها تضع في اعتبارها المصالح، بينما نحن العرب نكره ونخاصم حتى الفجور وعلى الملأ دون النظر إلى اعتبارات الدم أو القرابة أو الإسلام أو غيرها من الاعتبارات.

ما الذي كان يمنع مصر أن تصوت لمرشح قطر في الجولة النهائية ونثبت للعالم رُقينا وحضارتنا وإسلامنا الذي يدعونا إلى الوقوف جنبًا إلى جنب بعضنا البعض – بدلًا من العداء العلني والصريح الذي لا يفيد أي طرف وقد يزيد من مشاعر الكراهية وتتعقد الأمور؟

ما الذي منع مصر من التصويت لقطر في الجولة النهائية خصوصًا بعدما تغلبت عليها فرنسا في الجولة الرابعة؟ أليس من المنطقي أن تدعم مصر قطر خصوصًا أن قطر بها ما يقرب من 300 ألف مصري في تخصصات مختلفة يعملون في الدوحة ويجلبون العملة الصعبة التي تنعش الاقتصاد المصري؟

راهنوا على صغر مساحة قطر – وهذا صحيح – فإذ بقطر تظهر أنها تمتلك دبلوماسية محنكة ورصينة على مدى الفترة الماضية خصوصًا في الأزمة الخليجية، فرغم ما يقال إن قطر دفعت وتدفع وستظل تدفع للاعبين سياسيين من أجل وقوفهم بجانبها – نسوا هؤلاء الذين يرددون هذا الكلام أن السعودية قبل الأزمة الخليجية مباشرة وقعت صفقة مع واشنطن تقدر بما يقرب من نصف تريليون دولار. من الذي دفع أولًا وكم كانت صفقته؟

بذهاب منصب مدير عام اليونسكو إلى فرنسا، فقد تبين حجم الانشقاق والاختلاف بين الحكام العرب، وبين أيضًا أن قطر حتى وإن كانت دولة صغيرة فإن دبلوماسيتها لها تأثير قوي في المحافل الدولية.

وبذهاب المنصب إلى فرنسا، خسرنا وسوف نخسر كلنا كثيرًا، وإذا كان هذا هو حال العرب فالأولى لهم أن يحلوا ما يسمى «الجامعة العربية»، أو على الأقل إذا كانت قطر شخصًا غير مرغوب فيه وهي سبب كل المشاكل التي تحدث في الإقليم، فلماذا لا يعلقون عضويتها في الجامعة؟ وإذا كانت راعية للإرهاب فلماذا سُمح لها أن تخوض منافسة دولية على منصب رفيع لمنظمة دولية؟

وإذا كانت تشتري كل شيء بالمال، فلماذا لم تستطع شراء المنصب خصوصًا أن المنظمة تعاني من نقص في التمويل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد