في القرن السادس عشر، حَمَى وَطِيس الحرب الأهلية في اليابان، واحتاج أمراء العشائر وقادة الجيوش المعروفين بلقب «دايميو» إلى زيادة أعداد المحاربين في جيوشهم، فلجأوا إلى تجنيد الفلاحين، وقاموا بتسليحهم وتدريبهم، وأُطلِق على هؤلاء الفلاحين المُسلحين لقب «أشيغارو»، وكان لهؤلاء المقاتلين غير النظاميين دور كبير في الانتصار الساحق لبعض العشائر.
وكان «أودا نوبوناغا» أحد أشرس الدايميو في هذه الحقبة، والذي استولى على اليابان الوسطى وكاد يوحد اليابان بأسرها تحت حكمه، وهو نفسه الذي قام بتسليح الفلاحين وضمهم إلى جيشه. اصطلى نوبوناغا نفسه بنيران الحرب غير النظامية عندما تمرد عليه فلاحو «جبال إيغا»، وقادوا ضده حرب عصابات كبدت جيوشه الكثير من الخسائر، وكان مقاتلو الإيغا (المعروفون بالشينوبي أو النينجا) يتلحّفون بالجبال والتضاريس الوعرة، ويقومون بعمليات تجسس واغتيالات لقادة وجنرالات في جيش نوبوناغا، ولكنه بطش بهم في النهاية، وأبادهم عن بكرة أبيهم!وبعد الأشيغارو والشينوبي بأربعة قرون، قاد المجاهد المغوار الأمير عبد الكريم الخطابي ثورة الريف في المغرب ضد الاحتلالين الفرنسي والأسباني، وكان الأمير الخطابي قائدًا عسكريًّا فذًا، أَلهَم قادة حروب العصابات والثورات المسلحة، وأثّر فيهم، مثل تشي جيفارا وماو تسي تونج الذي نَظَّر لحرب العصابات. وأسس الشيوعيون مجموعة من الحركات التحررية المسلحة، قوامها المقاتلون غير النظاميون، اعتمادًا على تنظيرات ماو تسي تونج، ومن أشهر هذه الحركات: حركة الـ«فيت منه» في الفيتنام التي ناضلت ضد الاحتلال الفرنسي وأرغمته على الجلاء من بلادهم، ومن بعدها حركة الـ«فيت كونج» التي كبّدت الجيش الأمريكي خسائر فادحة، وأجبرته على الفرار بطريقة مهينة من الفيتنام.

وفي أفغانستان، المعروفة بمقبرة الغزاة، ناضل المجاهدون الأفغان الأشاوس ضد المحتلين وأرغموا أنوف القوى العظمى، بدءً ببريطانيا، مرورًا بالاتحاد السوفيتي، وانتهاءً بأمريكا.

فكيف تنكسر الجيوش النظامية أمام المقاتلين غير النظاميين؟

لم يكن المقاتل غير النظامي – في ثورة من الثورات المسلحة أو حرب من حروب التحرير على مر التاريخ – أقوى ولا أكثر كفاءة ولا أكثر دراية بفنون الحرب وإستراتيجياتها وتكتيكاتها، ولا أكثر تطورًا في تكنولوجيا التسليح من المقاتل النظامي، بل العكس هو الصحيح.

يكاد يكون الجانب المادي محسومًا للمقاتل النظامي، اللهم إلا خفة المقاتل غير النظامي وسرعة حركته إذا ما لجأ إلى كابوس الجيوش النظامية؛ وهو حرب العصابات، أو حرب الاستنزاف التي تعتمد على الكر والفر والكمائن.هذه الخفة تتقاطع مع عامليْن آخريْن مهميْن، وهما العامل الجغرافي والعامل الاجتماعي. فالمقاتل غير النظامي خفيف وسريع ومرن، لا يحمل معدات وأدوات ثقيلة، ولا يمتطي صهوات المدرعات والمجنزرات الجرارة، لذلك فهو سريع التأقلم مع الجغرافيا والتضاريس الوعرة، قادر على التماهي مع الظروف البيئية، بل قادر على توظيفها لصالحه في عمليات التمويه ونصب الكمائن.. هذا بالنسبة للعامل الجغرافي، وهذا ما حدث في جبال أفغانستان، وأدغال الفيتنام على سبيل المثال.

أما العامل الاجتماعي، فإن المقاتل غير النظامي إذا ما توفرت له الحاضنة الشعبية الداعمة، فإنها ترفِده بالدعم المادي (أموال وغذاء ودواء) بالإضافة إلى الغطاء الاجتماعي الذي يكون بمثابة المجال الذي يتحرك فيه المقاتل غير النظامي بسهولة، مُتماهيًا مع المجتمع الحاضن له، فيصعب القبض أو القضاء عليه داخل هذا المجال.

يتضح هنا فرق مهم بين الجيش النظامي والمقاتلين غير النظاميين، وهو اعتماد الأول على التفوق المادي، واعتماد الثاني على العنصر البشري.. لذا تكون – غالبًا – الخسائر المادية للجيوش النظامية فادحة وباهظة، وتكون الخسائر البشرية في صفوف المقاتلين غير النظاميين أكبر وأفظع. وهذا يتضح مثلا في الميزانية الضخمة للجيش الأمريكي المتبددة في الحربين الأفغانية الفيتنامية، كما يتضح فرق الخسائر البشرية أيضا بين الأمريكان من جهة والأفغان والفيتنام من جهة.

والعامل الحاسم في هذه النوع من الحروب هو طول النفَس والصبر الطويل، أو الـstamina.. أو ما يمكن أن نسميه الرّبَاط، وهذا الرباط لا ينبثق عن التفوق المادي، ولكنه نتيجة وجود عقيدة قتالية أو قضية يؤمن بها المقاتل، توفر له الزاد المعنوي والروح القتالية المتوقدة، هذا ما يبقيه مناضلًا مرابطًا لفترات زمنية طويلة جدًّا، يقوم فيها باستنزاف الجيش النظامي وتكبيده خسائر قليلة، ولكنها متراكمة ومتتابعة ومستمرة.

كل تلك العوامل المادية، هي من صنع الله في خلقه، ندرسها ونتعرف عليها ونفقهها، لنأخذ بالأسباب ونستفرغ جهدنا في العمل والسعي كما أٌمرنا، ولأن الإسلام ليس دينا روحانيًا متصومعًا يهمل المادة، ولأن نصرة الدين وحمل رسالة الإسلام تقتضي فقهًا عميقًا للواقع بكل جوانبه… ومع ذلك فنحن نعتقد ونؤمن يقينًا بأن الله ناصِرُنا، لا يُساورنا في ذلك ذرة من شك.. فإرادة الله ووعده للمسلمين بالنصر هي الحداء الذي يسير عليه ركب المجاهدين في مسيرة التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد