نشأت الجامعة المصرية في مطلع القرن الماضي بفضل جهود الوطنيين والتنويريين الذين رأوا في نور العلم سلاحاً يشق ظلام الاحتلال ، كما رأوا في مشروع الجامعة حلماً عزيزاً في أن تلحق مصر بركب العلم الحديث فترقى بذلك سلم الحضارة من جديد ، لعلها تسترد مجدها الغابر و تصبح في مصاف الدول العظمى التي علمت فسبقت فصعدت . وتحقق الحلم برغم “كرومر” وبرغم الأفكار الرجعية التي رأت في الأزهر العريق مايغنى عن قيام الجامعة وبرغم الصعوبات الجسام، ولاعجب فقد كانت الجامعة مطلباً ملحاً لجموع غفيرة من الشعب وخاصة الشباب راغبين في الانضواء تحت لواء الفكر الحر أو الإنضمام إلى صرح تنويري يكون متاحاً لجميع سكان مصرعلى اختلاف جنسياتهم وأديانهم.

إذاُ فقد كانت الجامعة في الأساس استجابة مجتمعية ملحة لدرجة أن الدراسة بدأت بالجامعة قبل أن يكون لها مقر خاص ! فمن قصر الخواجة نستور جانكليس بشارع القصر العيني إلى قصر محمد صدقي باشا بشارع الفلكي ثم إلى سراي الزعفران بالعباسية ، وهو مايشير أيضاُ إلى أن الجامعة كانت مشروع الطبقة الوسطى ولم تكن كياناً برجوازياُ أوسياسياُ وإن ترأسها أمير من الأسرة الخديوية ، والملاحظ أن المواقع الثلاثة تقع في قلب القاهرة الخديوية من حيث أراد إسماعيل أن يكون دعامة “عمرانية” لمشروعه النهضوي المثير للجدل.حتى استقرت الجامعة أخيراُ في حرمها المعروف على أرض “تبرعت” بها الأميرة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل حتى صار الموقع الجديد موقعاً جاذبا بفضل وجود الجامعة فيه.

ويمضي الزمان و تصبح الجامعة الوحيدة جامعات منبثقات أو منفصلات عن الأصل ، في ظل تحولات سياسية عاصفة فمن احتلال إلى استقلال ظاهري إلى استقلال تام ، ومن الخديوية إلى السلطانية إلى الملكية وصولاً للجمهورية ، وفي ذلك وبعده مرت على مصر حربان عالميتان و أربعة حروب عربية كانت مصر فيها طرفا مؤثراً ، فكان من المنطقي أن يتأثر المجتمع بما جرى عليه من التحولات ، وأن يتحول هو الآخر في ظل النمو السكاني المطرد ليصبح غريباً عما كان عليه في النصف الأول من القرن العشرين ، لاسيما بعد “الانفتاح الاقتصادي” وما صاحبها من حالة حراك جارف ألمت بطبقات المجتمع ، اضطرب لها عاليه وسافله ، حتى تبدلت بعض المفاهيم واندثرت أخرى ، وبرزت في المقابل قيم أخرى ومفاهيم مختلفة استطاعت مخاطبة للحالة المجتمعية الجديدة ، وكان مبدأ مجانية التعليم -الذي كان سارياً منذ الحكومات فيما قبل ثورة 1952 ،واستمر ليشمل التعليم الجامعي – من المبادئ التي تأثرت بالحالة الجديدة ليبرز أمامه مبدأ التعليم الخاص.

وإزاء إتجاه الدولة إلى تشجيع القطاع الخاص وعجزها عن دعم القطاع العام ، مع تأثر القدرة الاستيعابية للجامعات بالانفجار السكاني ، صدر القانون 101 لسنة 1992 بشأن انشاء الجامعات الخاصة على أن تكون لها روؤس الأموال الخاصة بها ، ومنذ ذلك العهد تم انشاء العديد من هذه الجامعات ، حتى صارت نمطاً اعتيادياً ، واتخذت أغلب هذه الجامعات الجديدة مقاراُ لها على أطراف القاهرة أو بالمناطق الجديدة داخل المدن الجديدة كما اتخذت بعضها معماراُ كلاسيكياً جديداً لمبانيها ومقارها ، كأنها تحاكي نمط البناء السائد في المناطق الجديدة الذي يتميز عن غيره بفكرة الحنين إلى أزمنة بعينها ، وهي الفكرة التي جعلت اللغة المعمارية للفيلات والقصورفي تلك المناطق استنساخاً رديئاُ لصورة الضواحي الإغريقية ، ويبدو أن القائمين على الصروح التعليمية الجديدة قد ادركوا أهمية هذه المناطق وتوقعوا أن تزيد مع الانتقال المتزايد للأسر الموسرة من قلب المدينة إلى تخومها وكان ماتوقعوه وأكثر !

ونجد أن مواقع الجامعات الخاصة في قلب المناطق الجديدة وتزامن وجودها مع اشتعال سوق العقار في هذه المناطق وتحلق القصور والفيلات ومناطق الاسكان الفاخر حول بعضها ، مع ازدياد الحاجة المجتمعية لدى بعض الشرائح إلى التعليم الخاص إلى درجة دفعت الجامعات الحكومية نفسها إلى تأسيس أقسام للتعليم الخاص بها يُدرس فيها بنظام الساعات المعتمدة ، وهي على الصعيدين ( الخاص والحكومي ) موائمة مفهومة لمسايرة طبقات المجتمع المصري ذات الحراك ، وهي على ماتحمل من نذير يكمن في الانفصال الطبقي التام يستحيل معه رأب أية شروخ مجتمعية ، تعبر بحق عن فكرة الموائمة وإن كانت العواقب – بعد عقدين أو أكثر ووفق معطيات جديدة – غالباً ماستكون غير مرضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد