سواءً شاهدت الفيلم بأجزائه الثلاثة أم قرأت الرواية التي تم اقتباس الفيلم عنها أم الاثنان معًا، فلا بد أنك لمست الأثر الذي تتركه مثل هذه الأعمال الفنية في نفوس من تابعوها، عالم المافيا تحكمه قوانين لا ترحم، متغيرات لا تحصر ودروس لا تنسى، وهذا بالضبط ما سنتحدث عنه في مقالنا.

 

الذكاء والوعي أحد أعداء الولاء

إن لم تكن مصدقـًا لما قرأت، فلا بد لك من قراءة رواية 1984 للعبقري جورج أوريل حيث يقول أوريل “الولاء هو انعدام الوعي”، دعنا من أوريل ولنذهب إلى الفيلم لنجد الدليل، فعندما حصلت الخيانة من “تيسيو” وهو أحد مؤسسي العائلة استغرب الكونسلييري “المستشار” توم هاغن من خيانته ولكن العراب رد عليه بشكل قاطع بقوله: “إنها خطوة ذكية، ولقد كان تيسيو الأذكى دائمًا”.

 

احمِ نفسك بفهمك للآخرين

يقول مايكل كوروليوني في حديثه مع أحد التنفيذيين في العائلة: “لقد تعلمت العديد من الأمور من والدي، ولكن أبرزها كان أن أفكر كما يفكر الناس من حولي”، جملة تحمل في طياتها تفسيرًا لعالم البشر الرهيب، ليس لك أن تكون واعيًا بين مجموعة من الحمقى سيكون دورك إما مجنونًا أو عدوًا وفي الحالتين أنت تعاني.

 

تعلم متى تستسلم وتحول خسارتك إلى فوز

إن الصراع واقع حياة، الهروب من هذه الحقيقة هو هروب خيالي لا تجده إلا في كتب الأطفال، في الصراعات لا بد من وجود فائز وخاسر، ولكن الحياة لها ظروفها ودوام الحال من المحال، والعناد لا يؤدي إلا إلى الفناء، ستأتي مرحلة في حياتك تجد فيها نفسك ضعيفـًا مهزومًا تتآكل ببطء دون أدنى صوت، ولكنك تظل تفكر بالتفكير العنيد نفسه الذي يقودك إلى مجابهة المشكلة في لحظة أنت فيها بأشد الحاجة إلى الاستسلام والوقوف جانبًا لبعض الوقت كنوع من إدارة الضعف الحتمي في الحياة، مرت عائلة كوروليوني بهذه الظروف المؤلمة والتي قلصت نفوذها بين العائلات الخمس، ولكن عبقرية العجوز فيتو كوروليوني وتصميم الشاب مايكل نجحا في استدراج العائلات بالتظاهر بأنهم أقل دهاء منهم، وتحويل الاستسلام إلى انتصار أعاد للعائلة مكانتها ونفوذها السابقين.

 

التهور صفة ليست لمن هم في القيادة

عندما نجحت العائلات بالإيقاع بسانتينو كورليوني بكمين محكم، فقدت العائلة على أثره القائد الأول فيها، فقال العجوز فيتو- بصوت يبعث على الوقار- لمايكل: “لقد كنت أعرف دائمًا أن هذا سيحصل، ولست متفاجئًا بذلك، سوني كان دائمًا متهورًا وهذا ما مكنهم منه”، لا شك أن سانتينو كان قائدًا رائعًا ويصلح أن يقود جيشًا بأكمله، ولكن معادلة الجيوش تختلف عن معادلة المافيا، فلكل متغيراته وقوانينه والتهور ليس أمرًا جيدًا في عالم تحكمه الأشباح التي تعيش في الظل.

 

لا تجعلهم يعرفون ما الذي تفكر به

في أحد مشاهد الفيلم العبقرية والتي تعكس عمق الطرح الذي يقدمه لنا فرانسيس كوبولا، يقدم إلى مدينة نيويورك تاجر مخدرات يسعى لكسب ود العراب حتى يوفر الحماية لتجارته القذرة مقابل عائد مادي سنوي لذلك، يقابل العراب طلبه بالرفض القاطع ويتمنى له يومًا سعيدًا كنوع من الثقة في رفضه الذي لن يعود عنه، ولكن أحد أبناء العراب يرحب في العرض في اللحظة نفسها التي يرفض فيها العراب العرض، وهذا ما أدى لاحقـًا إلى عملية الاغتيال التي كادت أن تودي بحياة الدون، إذ إن التاجر لمح موافقة أحد أبناء العائلة للعرض الذي قدمه وهذا الابن سيخلف والده في الحكم بعد موته، وكانت مقولة التاجر فيما بعد تؤكد ذلك “نقتل الأب ونعقد صفقة مع الابن”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد