أبدأ بإعلام معاشر النساء، مع أن ذلك سيصدمهن بالضرورة، أن البصبصة طبع أصيل متجذر في جنس آدم.

 

 

وآدم عليه السلام، بالإضافة إلى الأنبياء الكرام ممن عصمهم الله ـ كان الرجل الوحيد الناجي من خطر البصبصة، والمرتاح منها؛ ببساطة شديدة لأنه كان معصوما، ولأن الله لم يبتله بوجود نساء حوله، باستثناء أمنا حواء عليها السلام.

 

 

 

ولو كان ثمة نساء أخريات إلى جانب حواء أيامها، لظننت أن الحياة البشرية على ظهر هذه الأرض كانت قد انتهت في مهدها، وارتحنا، بسبب النزاعات الدموية التي كانت ستنشب بين الضرائر على أبينا آدم.

 

 

عدا ذلك، وخلافا للأنبياء الكرام، كان هناك رجل استثنائي غير بصباص، شكّل ظاهرة فريدة شاذة غير مسبوقة أو متكررة عبر التاريخ، كان يقيم في قرية تشنج يانج هنج فونج تفو جنوب غرب شانغهاي، وقد شاركت بنفسي في دفنه وإرساله إلى مثواه الأخير قبل سبع سنوات ونيف.

 

 

 

بدأت بإيراد تلك الحقيقة القاسية الموجعة المرة، واعذروني على ذلك، حتى تخف فجيعة المرأة إذا ما ضبطت زوجها متلبسا (يبصبص) لإحداهن، فالأمر يجري في عروقه مجرى الدم، ويحتاج المسكين ـ هناك من ستقول الآن سكين ينحره ـ إلى جهد خرافي جبار لمقاومته، يشبه الجهد الذي يبذله جائع لم يذق طعم الزاد لمدة أسبوع لمقاومة رغبة الانقضاض على مائدة عامرة بأطايب الأطعمة وجدها مبذولة أمامه فجأة.

 

 

 

والبصبصة، رعاكم الله، أنواع، فمنها ما هو مقصود لا يخلو من شيء من الإرادة والاختيار، ومنها ما هو افتراضي جبري. فمن لا يبصبص من الرجال على أرض الواقع؛ لموانع دينية أو أخلاقية أو قانونية، أو لخوفه من كلام الناس، الذي يقدم ويؤخر، أو من زوجته التي قد تطبق على زمارة رقبته إذا ما قبضت عليه متورطا بالجرم المشهود، فإنه يبصبص في أحلام النوم واليقظة،

 

 

 

 

ويتمنى فيها أن تكون هيفاء مثلاً أو إليسا هي من يتصبح بوجهها، بدلاً من التصبح بخلقة زوجته التي كثيرا ما يراها بعد انقضاء سنوات قليلة على زواجه منها أشبه بإسماعيل ياسين، حتى وإن كانت ملكة جمال الكون!

 

 

 

ومن الجدير ذكره أن الأمر كثيرا ما يختلط عند الرجل، فلا يعود قادرا على التمييز الدقيق بين عالمي الحقيقة والخيال، فنراه يتقافز فيما بينهما كالجندب. لذلك سيدتي؛ لا تغضبي وتحّدي وتقدّي وتقيمي القيامة فوق رأس بعلك إذا ما نسي اسمك أو ناداك وهو سارح باسم امرأة أخرى، أو رأيته يصدر آهات وزفرات عفوية ملتاعة ًتقطر بالحسرة والمرارة وهو يتابع هذه المغنية أو تلك الممثلة ناسياً أنك تجلسين إلى جواره، أو إذا سمعته يتمتم باسم غادة أخرى سواك وهو نائم أو محموم.

 

 

 

فالأمر نفسه لا يندر أن يحدث معك، حيث تجدين نفسك تتمنين أحياناً لو أن عفريتا يسخط زوجك إلى قرد فوق تقرده الحالي، لتجدي إلى جانبك بدلا منه جورج بن كلوني أو براد بن بيت، أو على الأقل، إذا ما كنت أقل طموحا وأكثر تشبثا بعروبتك، حسين فهمي في شبابه، أو وائل كفوري أو راغب علامة، أو الشاب خالد دي دي واوا!

 

 

وهنا ينبري سؤال مهم يطرح نفسه بإلحاح مفاده: ماذا يتوجب على المرأة أن تفعل إذا ما تبين أن زوجها من النوع البصباص!

 

 

 

ابتداء، كل الرجال بلا استثناء هم من هذا النوع لو تعلمين سيدتي، وإذا ما زعم لك زوجك أنه لا يرى إلاك، فهو كذاب أشر، وإن أقسم لك بكل ما هو مقدس، وممثل ماكر تعتمد درجة براعته على مدى تمكنه من الضحك عليك، وإقناعك بصدق زعمه الكاذب حتماً.

 

 

 

في الواقع، ليس هناك الكثير لفعله إزاء ذلك الداء الوراثي المزمن عند الرجل. فلا هو سيغير طبيعته، إذ إن البصباص بصباص ولو ضربوه بالرصاص، على رأي المثل الحكيم الذي اخترعته للتو، ولا أنت ستتمكنين ولو وقفت على رأسك من أن تملئي عينيه وأن تجبريه على الامتناع عن البصبصة، حتى وإن قيض لك عمل سبع عشرة عملية تجميلية تعيد هيكلة ملامحك، وترسيم إحداثياتك الطبوغرافية، وتخلق منك امرأة أخرى.

 

 

 

فلن تتمكني على الأرجح من منافسة اللعينة هيفاء، وحتى وإن حدثت معجزة، لن تحدث، وتمكنت من منافستها وصعقها بالضربة القاضية، فسيظل هناك دائما هيفاوات أخريات يصبو إليهن زوجك البصباص ويتمنى في أحلامه المستحيلة أن تنقشعي من وجهه كي يأخذن مكانك!

 

 

 

 

ولكن لا تيأسي، على كل حال يا شابة، فعجزك الأكيد عن مجابهة هيفاء التي لا تقاوم لا يعني أبدا أن تهملي شكلك وتحاولي تناسي همومك بالغرق في طناجر المحشي وصواني البسبوسة والكنافة، حتى يصبح قوامك مثل قوام الفقمة أو البقرة، ووجهك مثل الرغيف العجيب!

 

 

 

ولكن دعونا نعد قليلا إلى جذور المشكلة، وهي أن ما بني على باطل فهو باطل، أخلاقيا على الأقل، ومآله الندامة ووجع القلب.

 

 

ولنعترف بأن الأغلبية الساحقة من الزيجات في أيامنا قد قامت على أسس منحرفة، وانعقدت تحت مظلة منطق الصفقات المشبوهة مكتملة الأركان؛ فالشاب غالبا يبحث عن الظفر بذات الجمال، والبنت وأهلها يسعون إلى الإيقاع بذي الجاه والمال!

 

 

لذلك لا تلومي إلا نفسك وأهلك سيدتي، فقد تزوجت ذلك البصباص القناص لأنه استطاع دفع ثمنك، وتزوجك هو لأن إمكاناته المادية لم تسمح له بالوصول إلى من هي أجمل منك! ومن ثم؛ فإن من الطبيعي جدا أن يطمح إلى ابتياع مليحة يراها أكثر فتنة منك بمجرد أن يستطيع ذلك.

 

 

 

قصقصي أجنحته ونفضي جيبوبه أولا بأول واجعليه يتسلسل بالديون، واربطيه بعدد من العيال إن استطعت، حتى لا يقوى على التنفس، هذا إذا كنت تودين ألا يفلت من سجنك لسجن مستبدة أخرى وتكون البصبصة أقصى ما يمكنه فعله!

 

 

الحل الأسلم سيدتي للتعامل مع إشكالية البصبصة التي لا ينجو منها رجل، وحتى لا ينطبق عليك مثل “الدجاجة التي حفرت على رأسها نثرت” هو أن تستمعي إلى نصيحة الحشاش جورج وسوف فترضي بالنصيب، وأن لا تلقي بالاً لكلام الأحمق عبد الحليم الذي لم يكن يريد أن يسلّم بالمكتوب أو يرضى بأن ينام مغلوباً، فانتهى به المطاف وهو يصيح: مشيت على الأشواك!

 

 

 

ما يعني أن عليك أن تتبني روح أسلوب “مرسيدس” زوجة الروائي العالمي حامل نوبل “ماركيز”، التي كانت تحرص على أن تكون جلسته في كل مكان عام يقصدانه، كالمطعم مثلا، مطلة على الصبية الأجمل والأكثر جاذبية الموجودة في المكان، حتى تسمح لمكامن الإلهام بأن تتفجر في أعماقه عبر التملي في حسن صاحبة الطلعة البهية ــ أسمع الآن إحداهن تقول: قنبلة تتفجر في رأسه ـــ ذكية هي تلك المرأة المدعوة مرسيدس.

 

 

فقد كانت بأسلوبها ذاك تعيّن لزوجها حدود البصبصة المسموحة، فكان كل شيء يجري تحت سمعها وبصرها. وهذا أفضل فيما أحسب من أن تقمع المرأة زوجها وتكتم أنفاسه فتفاجأ به وقد تزوج عرفياً من صديقتها انشراح التي طالما تظاهر بأنه لا يطيقها!

 

 

 

 

طبعا لا أظنك سيدتي قد أحببت ذلك الأسلوب، وأعتقد أنك تفكرين الآن بإدخال بعض التعديلات عليه، كأن تجعلي مجلس زوجك في المطعم مواجها للحائط أو للمطبخ أو لحمام الرجال، وأن تغرزي شوكة في عينه الجريئة إذا ما لمحته يختلس النظر إلى مرتادات المطعم!

 

 

 

 

ولكن انتبهي سيدتي، فالرجل العربي ليس بمثالية ماركيز وقناعته، ففتح باب البصبصة له سيفتح نفسه على ما هو أكثر، وستستيقظين يوما تأخرت في النوم فيه لتجديه وقد تزوج عليك، ربما من الشغالة السيرلنكية.

 

 

وهنا عليك أن تفرحي، ومن قلبك، فقد أراحتك العناية الإلهية من جزء من قرفه، وأرسلت لك منكوبة أخرى كي تتحمل عبء مقارعته معك. فالحكمة تقضي أن ترقصي ابتهاجا بتلك النعمة التي هبطت عليك، لكن المسسلات والأفلام أفسدتك، فبدلا من أن تزغردي لأنك استعدت بعض حريتك،

 

 

 

ستشرعين على الأرجح في عزف تلك الاسطوانة المشروخة التي اهترأت لكثرة تكرارها: يا خاين يا ندل يا جبان، بكرهك بكرهك بكرهك، طلقني طلقني طلقني، وتحملين حقيبتك، وتصفقين الباب بعنف في وجهه متوجهة إلى بيت أهلك!

 

 

 

أُكبر فيك شجاعة الإقدام على تلك الخطوة السينمائية والاستعداد لتحمل عواقبها، لكنها خطوة رعناء فيما أخشى، تدفعين غالبا أنت ثمنها الباهظ. فالرجل سرعان ما سيقول: كابوس وانزاح، وأخذت الشر وراحت، ويكسر جرة كبيرة خلفك، هذا إن لم يكن بخيلا ويستخسرها بك، ثم يتركك معلقة أو مطلقة بعد مرمرتك وجرجرتك في المحاكم.

 

 

 

والمشكلة أنك لن تجدي من يختلف عنه كثيرا في معظم الحالات، فكل الرجال من نفس الطينة المدموغة بختم البصبصة. فإذا كنت تتركينه وأنت تتوهمين إيجاد من هو أكثر زهداً منه بالنساء، فأنت في الواقع تخدعين نفسك، وتهربين من عزرائيل إلى قباض الأرواح!

 

 

 

البديل الآخر أن تقاطعي عالم الرجال وتضربي عنهم، كي تتزوجي من قضية عامة ما وتفرّغي حياتك لها، ولكن ليس على طريقة ياسر عرفات، الذي اتضح أنه خان القضية مع سهى! غير أن عليك هنا أن توطني نفسك على احتمال حياة الوحدة الموحشة، والتصدي، بالردح أو بالفضح، للألسنة الوضيعة التي ستسلقك بسياط الشائعات، والتعود على محاولات من هب ودب من الثقلاء ممعوطي الذنب للتقرب إليك لقضاء وقت “لطيف” والهرب!

 

 

ربما تقررين البقاء مع شريكك البصباص، وهذا خيار عقلاني ليس بالسيئ، ربما أؤيدك في اتخاذه. ولكن إياك ثم إياك أن تلعبي دور أمينة رزق مع سي السيد، التي تبلع الموس وتعض على الجرح وتسكت عن ولدنات زوجها، وتتفانى بلا حدود أو انتظار للمقابل في خدمته وإسعاده. هذه مقاربة فاشلة سيدتي. فالرجل يزداد تسلطاً ولؤماً بازدياد خضوع زوجته له وإنكار ذاتها من أجله.

 

 

لذلك تذكري الحكمة البليغة القائلة: “زوجك على ما عودتيه وابنك على ما ربيتيه”، و”بره وجوة فرشتلك وانت حالك مايل وإيه يعدلك”، و”من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر، ثم قطّع الحذاء على رأسه”!

 

 

 

 

 

هي ليست بالحرب، ولكن اعتمدي مبدأ التعامل بالمثل، فإذا ما أكرمك، بالرغم من بصبصته الحتمية، فأكرميه، وإلا فكل طرق المقاومة مشروعة. واحرصي على أن تجعلي من بصبصته ممسكاً تبتزينه به عند الحاجة، وتجبرينه به على تلبية طلباتك، التي ينبغي أن تتصاعد طردياً بتصاعد مستوى بصبصته!

 

 

 

 

راجيا لكم حياة سعيدة لا توجد على هذه الأرض، ولا نامت أعين البصباصين!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد