ربما واجهك على فيسبوك منشور يقول: تحداني يهودي أن أجمع مليون لايك لصورة عباءة الرسول «أو عمامة الرسول أو سيف الرسول أو حذاء الرسول!» وعادة ما تكون هذه صورًا ملفقة، وربما يصل الأمر بصاحب المنشور إلى التهديد بأنه في حالة عدم الحصول على مليون لايك فإنه سيحذف الصورة.. وكأنه سيحرمنا بعقابه هذا من بركات تنزل على حساباتنا الاجتماعية! وربما صادفك منشور آخر يسألك عن اللاعب الأكثر موهبة في مصر هل هو الأهلاوي رمضان صبحي أم الزملكاوي شيكابالا.. يطلب منك السائل أن تشارك بإعجاب أو تعليق كي يفوز نجمك المفضل!

هذه نماذج من ممارسات فيسبوكية تهدف لجذب أكبر قدر من التفاعل فيصب في مصلحة الصفحة ويتم ترجمة ذلك لاحقا في مكاسب مادية. تستخدم هذه الصفحات – في معظم الأحيان دون علم – فنون البروباجاندا عندما تربط استطلاعاتها التافهة بشخصيات شهيرة أو تنسب المتعلقات إلى الرسول الكريم، ومن ضمن فنون البروباجندا أيضا إبراز أعداد المشاركين في إحدى المراحل لأن هذا يشجع المزيد على الإدلاء بآرائهم.

الغريب أن منظمة رعاية الطفولة والأمومة التابعة للأمم المتحدة «اليونيسيف» لجأت إلى حيلة مشابهة، فقد نشر فرع المنظمة في مصر على صفحته على فيسبوك فيديو بطولة الفنان ماجد الكدواني عن أزمة المياه في مصر، وقالت إن حصول الفيديو على عدد كبير من المشاهدات والتعليقات وإعادة النشر هو شرطها لتوصيل المياه إلى ألف منزل في مصر!

إذا شاهدت الفيديو ربما يعجبك التصوير والإخراج وأداء ماجد الكدواني وترتسم على شفتيك ابتسامة لاإرادية عندما تنتهي المشاهد التمثيلية بفرحة الأطفال بالمياه، ولكن إذا دققت النظر فربما تعتقد – مثلي – أن صناع الفيديو لم يعيروه الاهتمام الكافي فظهرت صور متناقضة مثل الخيمة الصغيرة التي يحملها الكدواني ويفترض أنها نفسها المنصة الكبيرة التي يعرض عليها فقراته السحرية، ووجود الأطفال في هذه الأرض القاحلة دون أن نرى فيها بيوتا أو حتى خياما، وأيضا أن تتجسد فرحة الأطفال بالمياه النظيفة في إهدارها لهوًا.

لم ينجح الإعلان في توضيح حجم وأبعاد مشكلة نقص المياه النظيفة، وأبرز صورة الأطفال وهم يهدرون المياه فرحين وكان الأولى أن يوجه رسالة مغزاها الحفاظ على المياه والاقتصاد في استهلاكها حتى إذا توفرت بعد حرمان.

التناقض لا يقتصر على مشاهد الفيديو، فالصفحة على فيسبوك تقول أن الإعلان جذب التفاعل المطلوب خلال ثلاثة أيام وبالتالي فإن هذا النشاط الافتراضي سيترجم إلى عمل واقعي يتمثل في توصيل المياه إلى ألف منزل محروم، بينما موقع الشركة المنظمة ذكر أن الحملة كانت قد نجحت في جمع المبالغ المطلوبة حتى قبل أن يحقق الإعلان نجاحه المأمول.

وأعتقد أن توصيل المياه كان ليتم في جميع الأحوال سواء انتشر الفيديو أم لم ينتشر، فهدف الحملة يقتصر على توصيل المياه لألف منزل وهي نسبة 0.1 % «واحد في الألف» من المنازل المحرومة من المياه وفق إحصائيات الإعلان نفسه، وهذه مهمة تستطيع اليونيسيف وحدها القيام بها ناهيك عن وجود شركات كبيرة راعية لهذه المهمة.

تقول اليونيسيف إنها استخدمت إستراتيجية جديدة اسمها Clickfunding لتشجيع الجمهور على تحويل نشاطه الإلكتروني إلى تغيير على الأرض وهذا ليس دقيقًا. فالجمهور لم يخرج من دائرة النشاط الإلكتروني ولم ينزل بنفسه إلى الميدان. وهذه الفكرة ليست نظرية معروفة في علوم الإعلام أو التسويق، وإنما ابتدعها شاب مصري وفازت في مسابقة أفريقية للشركات الناشئة ولم تطبق في أي زمان أو مكان. وهي باختصار تقوم على إجبار الجمهور على التفاعل مع مادة إعلامية بدعوى أنه يشارك في نشاط خيري.

ابتزاز الجمهور ليس الحل الوحيد لنشر إعلان، فمبادرة تحدي دلو الثلج نجحت عندما اعتمدت فكرة جديدة جريئة وطالبت المشاركين بتشجيع أصدقائهم وتبناها نجوم عالميون فتصدرت مواقع التواصل الاجتماعي لفترة غير قصيرة.

رغم كل ذلك، حقق إعلان اليونيسيف هدفه وشاهده أكثر من مليون شخص خلال ثلاثة أيام، وهذا يعني أن الأفكار غير المبدعة ستنجح أيضًا؛ فقد تسلل إلى عالم إعلام الجمعيات الخيرية مبدأ تسويقي جديد يقولون إن اسمه Clickfunding بينما التعبير الأدق عنه هو عبارة “شخلل علشان تعدي يا بلدينا”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليونيسيف
عرض التعليقات
تحميل المزيد