غالبًا ما تكون مسببات الأفعال والمواقف، نابعة من خلال تشابك ظروف عامة تمر على فئة معينة من البشر، تتداخل معها مؤثرات مقصودة من جهات تملك أسباب قوة «اقتصادية مالية، أو عسكرية، أو ثقافية اجتماعية، أو دينية»؛ بحيث يؤدي تمازج المواقف والمصالح والقناعات وتداخلها، إلى تكوين حيز أو دائرة صراع تنافسية، تبدأ بالتطور والنمو بحسب أهمية الموضوع المختلف عليه، وتنتهي غالبًا بانتصار صاحب المسببات الأقوى، أو تنتهي بظهور عقدة جديدة تسحب الأطراف لدخول جدليتها من جديد.

أقوى وأخطر المواقف السلبية التي مرت بالشعب العراقي، منذ استلام حزب البعث البغيض للحكم، وإلى سقوطه، وما بعد سقوطه، وإلى يومنا هذا، هو دخول الوعي الثقافي والسياسي والمجتمعي في هذا البلد، ضمن دائرة الصراع المذهبي لإثبات الوجود، أو إقصاء الآخر، فكانت أقوى مفاصل هذه الجدلية الصراعية، ما حصل في هذا البلد بعد عام 2003، عندما تحول وعي أبناء البلد، إلى ساحة دموية من أجل صراع مذهبي: تارة لإثبات وجود، وتارة لإلغاء جود الآخر وإعادة الهيمنة عليه!

التغير الإيجابي الذي حصل بعد هذه السنين الطويلة، هي تبلور وعي سياسي وطني واضح لدى فئات كبيرة من أبناء الشعب العراقي، وبالأخص في مناطق الوسط والجنوب، هذا الوعي المتطور ساعد على إعلاء الأصوات الحقّة المطالبة بمحاسبة القادة السياسيين الذين هيمنوا على أدوات الحكم، وسيطروا على مقدرات البلد، من شماله إلى جنوبه، وتسببوا بخرابه وقتل أبنائه وضياع ثرواته، هذه الأصوات الشعبية الوطنية تمظهرت بأشكال مختلفة، مرة بمقاطعة الانتخابات، مرة بالخروج بمظاهرات، مرة بالالتفاف حول المؤسسة الدينية الوطنية المتمثلة بالمرجع الأعلى، وتأييد خطابه الذي يحارب فيه المفسدين.

لا تزال فلسفة الحاكمية المعتمدة على مبدأ الوطنية، فلسفة تحتاج إلى الكثير من المساند وفواعل القوة والتطوير؛ لأن الخطاب السياسي الطائفي، لا زال مصدر تقوية لبعض السياسيين، وهم يتحكمون بمشغلات هذا الخطاب الموجه للجمهور، من خلال اتهام المنافسين لهم بأن أمريكا هي التي تحركهم، أو محور الدول «السنية» هو الداعم لمنافسيهم! وهكذا يحاولون في كل مرة دغدغة مشاعر المواطنين بمثل هذا النوع من الطرح، وهم لأن الوطنية عندهم هي أن يكون العراق تابعًا خاضعًا لإحدى دول الجوار، ومن ينادي بغير ذلك، فهو: أمريكي سعودي وهابي! «مقالات المدعو سليم الحسني تدفع كثيرًا بهذا الاتجاه في محاولة واضحة لاستحمار الجمهور، ومحاولة تضليله، وخلط المواقف، وتسفيه وتمويه الحقائق عليه».

يجب أن يعي العراقيون أن المواقف الوطنية يجب أن تتوافر على قدر ولو يسير، من القدرة على رد أي جهة تحاول تسيير فرض معين على الحراك السياسي، والعلامة البارزة في مثل هذه المواقف هي توازن الخطاب السياسي عند المسؤول السياسي، فنحن لا نستطيع أن نتهم زيدًا من الناس أنه تابع أو ذيل لإيران مثلًا، وهو في كل مرة يظهر من على قنوات الإعلام ويصرح: نحن نعترض على إيران فعلها كذا، أو لا نقبل من الجمهورية اتخاذها هذا الموقف… إلخ، ولكننا نتهمه عندما نجد فمه مطبقًا إطباق الصم البكم الذين لا يعقلون، عندما يمتنع عن إبداء أي موقف ممانع أو معارض لدولة هو متهم بالتبعية لها!

لا يمكننا اتهام جهة ما بأنها تابعة لأمريكا، أو تمثل محورًا لها في العراق، وهذه الجهة نفسها تنتقد المواقف الأمريكية دومًا وعلى الملأ، وتعترض على سياساتها «كما هو الحال بنقد الحصار المفروض من قبل أمريكا على الجمهورية الإسلامية، وتوجيه تحذير وتهديد واضح وعلني لها: بأننا سوف لن نقف مكتوفي الأيدي إذا استمرت سياستكم الظالمة نحو الجمهورية»! فمثل هذه المواقف العلنية في عرف أهل السياسة، لا تمثل أي مفهوم للتبعية، بعكس المحور الآخر الذي لا يجرؤ أن ينطق ببنت شفه.

يستطيع أي عراقي معرفة المواقف الوطنية من هذه الجزئيات الصغيرة، والتي تخرج من أفواه القادة، أو من خلال صمتهم، ليميز الخبيث من الطيب، لأن للوطنية شروطًا، ومن أهم هذه الشروط هي المواقف العلنية الواضحة، أما سياسة التدليس والتسقيط، وجر أدوات الاستحمار في الخطاب السياسي، من أجل تسقيط الآخرين، فهي دلالة واضحة على أن أدبيات التنازع السياسي لدى هذه الجهة، هي فقط من أجل الحصول على الكرسي، مهما كان الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد