مما يعلم بالاضطرار أن عقل الإنسان وعاطفته يتحكمان تحكمًا كبيرًا في سلوكه وتصرفه، ومن هنا كان الاعتناء بالتفكير أمرًا ضروريًّا لبناء سلوك قويم، ويعد العقل في الإسلام ذا مكانة رفيعة؛ إذ جعله المشرع مناط التكليف، لكن الناظر إلى وظائف هذا العقل يجد أن له أمراضًا كما للجسد أمراضه، من حمى وزكام وغيرها، ومن أمراض العقل ما يطلق عليه «أحادية الفكر أو التفكير»، فما الذي يعنيه هذا المصطلح؟ وما وجه الخلل فيه؟

العقل ذو البعد الواحد نمط من أنماط التفكير لدى الإنسان، وهو الذي ينظر إلى الظاهرة أو القضية من زاوية واحدة، ويفترض سببًا واحدًا، وهي عقلية سطحية بامتياز لا تعطي للأمور قدرها، وهذا ما نجده سائدًا للأسف في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص.

إن هذه العقلية ليست على مستوى الأمة فقط، بل أصابت حتى الأفراد، فإذا سألنا أبًا لماذا رسب ابنك؟ فإنه سيقول لك إنه لا يدرس، بدون النظر إلى الأسباب التي جعلته لا يدرس.

وتجسيد هذا الفكر الأحادي هو عين ما صرح به الطاغية فرعون لبني إسرائيل؛ إذ قال: «مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى»، فلا صواب ولا حق إلا بجانب فرعون وزبانيته، وإن كانوا في الحقيقة غارقين في الضلال المبين.

ومن أمثلة هذا الفكر السقيم ما عرف مؤخرًا في الساحة الإسلامية بالتيار المدخلي، فهؤلاء القوم نصبوا أنفسهم نوابًا عن الله في خلقه، وبالتالي فهم يوزعون صكوك الغفران لكل من وافق منهجهم، وصكوك الخذلان لمن خالف طريقتهم وأنكر مذهبهم.

يمكننا أن نجمل مسببات هذا النمط من التفكير الأحادي في الأمور الآتية:

1- قلة الخبرة في الحياة؛ فالشخص الذي تمخض في بحر الحياة لا يمكنه أن يكون فكره اختزاليًّا أحاديًّا.

2- التسرع وعدم إعطاء العقل فرصة لاكتشاف أبعاد أخرى تمكنه من الوصول إلى المطلوب.

3- قلة العلم والمعرفة والقراءة، فدائمًا ما نجد أن أصحاب الفكر الأحادي ضعيفي الاطلاع، ومن هنا قالوا من قل علمه كثر إنكاره.

4- النرجسية والتكبر وتضخيم الأنا.

من الواجب علينا أن نتخلص من هذا السقم الفكري المسمى بالتفكير الأحادي، فكلما تعددت زوايا النظر دل ذلك على النضج الفكري، ومن هنا قالوا: بتعدد زوايا النظر يرتقي البشر، فلا بد إذن من شخصية فكرية مستقلة، قادرة على الاستفادة من منتجات الآخر المختلف والتفاعل معه بحس نقدي، لا بحس إقصائي.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نرى الفرق الشاسع بين التفكير العلمي والتفكير العامي، فالأول يدرس الظاهرة أو القضية بموضوعية وأدلة؛ فيخرج بنتائج صحيحة مبنية على مقدمات منطقية، أما الثاني فعنده نظرة أحادية اختزالية للأشياء، ولا عبرة لدليل عند هذا الصنف، بل يسلم بأي شيء دون فحص أو تدقيق، ويزعم امتلاك الحقيقة المطلقة وغيره الخطأ المطلق.

الاختلاف سنة كونية مطردة وهذا ما ينص عليه القرآن صراحة بطريقة لا تحتمل التأويل، قال الله سبحانه: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم»، وإن مما يتميز به الفقه الإسلامي كونه تعدديًّا، فهو يضم مذاهب متعددة في فهم المقصود من النص الشرعي، وهذا الاختلاف الواقع بين المذاهب هو اختلاف تنوع لا تضاد، ولقد كان الإمام الشافعي – رحمه الله- سباقًا لإقرار قاعدة التنوع هذه حين قال: وفي العلم وجهان: الإجماع والاختلاف ، والشافعي بصفته من كبار أئمة الإسلام، ومؤسس علم أصول الفقه في تاريخ الفكر الإسلامي، نص على أن الاختلاف ظاهرة صحية، في حين عدها غيره علامة زيغ وضلال، وبالتالي ينبغي لنا اليوم أن نستفيد من هذه المقاربة الفلسفية التي وضعها هذا الإمام الكبير في بناء فكر حديث يؤمن بالاختلاف ممارسة فكرية، ويحترم رأي الآخر.

دعني أخبرك بصراحة أنك ستظل غبيًّا ومتحجر الفكر إن لم تقرأ إلا ما يوافق ميولك، أو يوائم ثقافتك المحلية، وذلك أن الذكاء ينمو بالاطلاع وصراع الأفكار، ومشاركة الناجحين والعظماء تجاربهم في سبر أغوار الحياة.

وأخيرًا لم يبق لنا إلا أن نتوصل إلى نتيجة مفادها أن هذا الفكر الأحادي هو الأصل في كل بلاء وعماء؛ لأنه يقولب العقول، ويجعلها تعمل آليًّا منغلقة لا تعرف إلا طريقًا واحدًا، وجوابًا واحدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد