الاختلاف سُنة كونية وإرداة إلهية. يختلف البشر فيما بينهم في اللغة واللون والعرق والدين والنوع، فهل تساءلت يومًا عن أسباب اختلافنا؟ هل بحثت عن السر وراء تحدثنا بلغات مختلفة؟ هل تأملت اقتصادات الدول وأثار فضولك عدم وجود عملة موحدة لكل دول العالم؟ وهل فكرت إذا طرحنا عملة موحدة للتداول فبأي لغة سوف يتم سك تلك العملة؟

دعونا نبدأ أسطورة الاختلاف من بابل، حيث حدثتنا «سفر التكوين» عن أن الناس جميعًا كانوا يتحدثون لغة واحدة، ثم أصابهم الغرور وتجمعوا في المدينة لبناء برج عالٍ يصل إلى حدود السماء؛ لتمجيد وحدتهم وتعظيم إنجازاتهم ونسوا فضل الإله عليهم، فعاقبهم الرب بجعلهم يتحدثون لغات مختلفة مما أثار الفرقة بينهم. إذًا فمصدر الاختلاف وفقًا للأسطورة كان الغرور وعواقبه كانت الفرقة والتشتت، ولكن هل استسلم البشر للشتات؟ بالطبع لا، فقد حاول بنو آدم إيجاد سبل للتواصل لغويًّا ومعرفيًّا واقتصاديًّا. بالحديث عن الاقتصاد فنمو التجارة الخارجية خلق حاجة لإيجاد صيغة تفاهم بين الدول التي تستخدم عملات مختلفة، ومن هنا نشأ مفهوم سعر الصرف.

سعر الصرف ونقطة التحول

كل شيء في حياتنا يباع ويشترى وله سعر، حتى العملات ما هي إلا سلع لها أسعار يطلق عليها المتخصصون في الاقتصاد «أسعار الصرف». ويُعرف سعر الصرف على أنه «سعر العملة الأجنبية مقومًا بالعملة المحلية»، أي عدد الوحدات التي يجب دفعها من عملة معينة للحصول على وحدة واحدة من عملة أخرى. بالرجوع إلى القرن التاسع عشر، نجد أن التطور الاقتصادي لعب دورًا محوريًّا في طبيعة التعاملات النقدية، وتشكيل آليات ونظم الصرف بين العملات، قديمًا كان هناك قاعدة تدعى «قاعدة الذهب»، حيث كان يتم استخدام الذهب كمعيار للعملة بغطاء كامل، أي لا يتم طبع أي عملة نقدية إلا إذا كانت الدولة تمتلك ما يكفي من الثروة لتحويل تلك النقود بالكامل إلى ما يساوي قيمتها من ذهب.

في ظل الحروب والتغير السريع في الاقتصاد الدولي، والذي تمثل في حدوث اضطرابات نقدية وتراجع في حركة التجارة الدولية نشأت الحاجة إلى التغيير، فتم عقد مؤتمر في مدينة بريتون وودز الأمريكية سنة 1944 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونتج عن هذا المؤتمر اتفاقية أقرت بإنشاء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للتعمير والتنمية. وأصبح  الدولار مقياسًا للقيمة مع الذهب واستُخدم كأساس في تحديد أسعار صرف العملات. ذلك الأمر لم يدم طويلًا حيث انهار نظام بريتون وودز بنهاية عام 1971، عندما منع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون تحول الدولار إلى ذهب واختفى نظام الصرف الثابت، وتغير شكل النظام النقدي فأصبح الدولار هو أداة القياس بين العملات المختلفة في ضوء نظم الصرف المرنة وسياسات التعويم المختلفة، وهنا يظهر تساؤل عن معنى نظام الصرف الثابت، ونظم الصرف المرنة والفرق بينهما.

أنظمة صرف العملات

 أولًا: نظام الصرف الثابت

حيث يتم تثبيت سعر صرف العملة بواسطة البنك المركزي للدولة، ويكون هذا التثبيت إما لعملة واحدة تتميز بالقوة والاستقرار كالدولار أو اليورو، وإما لسلة من العملات، وفي العادة تتكون تلك السلة من عملات الدول ذات الشراكات الإستراتيجية على المستويين السياسي والتجاري. تلجأ الدول لنظام الصرف الثابت بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بحالة عدم التأكد المصاحبة لتقلبات أسعار الصرف.

 ثانيًا: أنظمة الصرف المرنة «التعويم الحُر والتعويم المُدار»

يتحدد سعر الصرف في ضوء أنظمة الصرف المرنة من خلال توازن قوى العرض والطلب على العملة في سوق النقد الأجنبي، وفقًا لمجموعة من المؤشرات الاقتصادية. تتبع بعض الدول نظام التعويم الحُر، بحيث لا تتدخل في السوق كمشتري أو بائع للعملة، وتكتفي بدور المراقب في حين تقوم دول أخرى باتباع نظام التعويم المُدار، حيث تقوم السلطات بتعديل أسعار صرفها  وفقًا لحجم الاحتياطي النقدي لديها من العملات الأجنبية، فتراها تضع حد أقصى وحد أدنى لسعر صرف عملتها للتحرك داخله، فعلى سبيل المثال تحدد الدولة نسبة 2% صعودًا وهبوطًا لسعر صرف عملتها، أما العملات الأخرى، فإذا ما تعدت قيمة العملة هذا السقف تنخفض قيمتها لأن عدد الوحدات التي سوف يتم استبدالها من العملة المحلية للحصول على وحدة واحدة من العملة الأجنبية سوف يزيد، وهنا تتدخل الدولة كبائع للعملات الأجنبية وتضخها في السوق من خلال السحب من الاحتياطي النقدي لدعم عملتها، وخلق الطلب عليها من خلال زيادة عرض العملات الأجنبية، وبالتالي تحقيق التوازن في إطار الحد الأدنى والحد الأقصى، وفي المقابل تتدخل الدولة كمشتري للعملات الأجنبية في حالة انخفاض سعر الصرف عن الحد الأدنى في السوق مما يعني ارتفاع قيمة عملتها، ويكون ذلك التدخل بهدف خلق طلب على العملات الأخرى، وخفض سعر عملتها أمام العملات الأخرى، ودفعها مرة أخرى لتحقيق التوازن في إطار الحد الأدنى والحد الأقصى.

سياسات أسعار الصرف

 أولًا تخفيض قيمة العملة

يقصد بتخفيض قيمة العملة، انخفاض قيمة عملة بلد ما إزاء العملات الأجنبية الأخرى في سوق الصرف الأجنبي، نتيجة تعارض قوى العرض والطلب.

 ثانيًا رفع قيمة العملة

يقصد برفع قيمة العملة، ارتفاع قيمة العملة المحلية لبلد ما إزاء العملات الأجنبية الأخرى.

مع اختلاف أنظمة وسياسات الصرف، تُدرك الدول جيدًا أن في الاتحاد قوة، لذلك تسعى لتكوين تكتلات اقتصادية قائمة على عملة موحدة؛ سعيًا لتحقيق حلم الوحدة الذي ضاع في ثنايا أسطورة بابل التاريخية، ولعل الاتحاد الأوروبي وعملته الموحدة اليورو، أوضح مثال على القوة التي تحققها الوحدة النقدية للدول، ولكن يظهر تساؤل أبدي حول مدى إمكانية تطبيق حلم الوحدة الأسطوري، في ظل تمسك كل طرف بهويته ورفضه للانصهار في بوتقة الوحدة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد