المقدمة

لقد هويتَ من كونٍ إلى آخر، من كونٍ مليء بالهواء إلى كونٍ ممتلئ بالماء، كان الكبار يرعون كل شؤونك ويهتمون لأمرك ويختارون لك، وقد انتهى ذلك بلا رجعة، فالآن تبحث عن أرض راسخة توطد عليها قدميك فلا تجدها، تبحث عن وسيلة إتصال ولا مجيب، في بحر هائل هائج، تفيق على أصوت تصادم الأمواج العاتية والأمطار الغزيرة التي يتخللها ضرب الرعود، تسمع من بعيد صيحات استغاثة مجهولة المصدر، تحتار بين المضي للإغاثة وبين إغاثة نفس، كالتي بين جنبيك بادئ الأمر، وأثناء ذلك التفكير تمسك جواذب خفية بإحدى قدميك، فتنزل إلى الأعماق ضاربًا سطح الماء بيديك الواهنتين، تنزل إلى عالم مجهول حيث كل شيء مظلم والجواذب خفية! وأقصى ما يمكنك فعله الآن هو الإرتفاع لبعض أمتار قبل أن تنزل أضعافها مجددًا، ربما عند الاقتراب من حالة التسليم بالنهاية واليأس في النجاة، تتركك تلك الجواذب لسبب مجهول، فترتفع للسطح من جديد.

هل السطح أفضل من الغرق؟ ربما نعم.. وربما لا! فماذا ستفعل في السطح دون بوصلة؟

الإنسان وتفاعله مع المجتمع والجماعة والأسرة:

نظريًا: تستبين أقصى طاقات الإنسان، عندما يكون في مجتمع متوافق مع أهدافه الشخصية ويدعمه في السعي إليها، لكن التاريخ يخبرنا أن ذلك المجتمع لا يتوفر أبدًا! فيتخذ معظمنا منحنى آخر، وهو التصالح مع المجتمع بلا معايير أو حدود واضحة لذلك التصالح، ومن الخطأ تسميته تصالحًا، فهو تنازل بالمعنى الدقيق! يتنازل عن ثوابته اليومية البسيطة واحدًا تلو الآخر، ثم تنتهي الثوابت البسيطة فيلجأ إلى التنازل عن أعمدة فكره ومقومات تفرده بين البشر.

فرب العزة سبحانه لا يخلق نسخًا مكررة من البشر، وأفضل مثال لذلك صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تجد كل رجل فيهم قامة بنفسه يختلف بشكل كبير عن باقي الصحابة، كأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وليس الإختلاف هنا في شكليات، ولكنه إختلاف حقيقي في الشخصية ونظرتها للأمور وطرق تحليلها وتفاعلها مع الواقع، ونتج عن ذلك كله ملائمة كل منهما لفترة ما، وأدائه العظيم في فترته الخاصة بمواصفاته المتفردة، وتفاعله مع الواقع بأشكال مختلفة تبعًا لصفاته الفردية.

ونجد ذلك جليًا أيضا في قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأشج عبد القيس «بل خلق انجبلت عليهما». وذلك في الحديث

قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأشج عبد القيس «إن فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم والأناة»، فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلق انجبلت عليهما». فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى».(1) فهي حكمة الله تختار ما شاءت من الناس لمهمات مختلفة وأدوار متنوعة.

ونجد رب العزة يخبرنا في كتابه أن لكل إنسان ما سعى، (2) ما سعى هو فقط! لا ما خدع الناس وأقنعهم بأنه سعيه… أو ما أجبره الآخرون أن يسعاه.

ويخبرنا سبحانه في موضع آخر أن كلنا آتيه يوم القيامة فردًا. (3) وحده ليحاسب ويُسأل عما فعله… عن شبابه وصحته وماله وآرائه ومعتقداته…إلخ، عن نفسه فقط، وليس لشخص آخر واسطة بينه وبين الله!

حديثنا كان مقتصرًا على الجانب العقلي والفكري للشخص، ثم نجد أيضًا العلوم الطبيعية تخبرنا أن كل إنسان في الحقيقة نسيج وحده! في بصمة الإصبع، في عينه وصوته وأنفه وغيرها. فالبشر يختلفون ويتفاوتون تبعًا لعوامل كثيرة، وليسوا مجرد نسخ كربونية من بعضهم البعض. وموجب ذلك الاختلاف، والتفاوت أن يتصرفوا هم في سماتهم الفردية بادئ الأمر، ولا يتركوا ذاتيتهم بأي ثمن.

فإذا تركنا العلوم الطبيعية وتوجهنا للعلوم الإنسانية من بوابة التاريخ نجد أن من غير مسار أمم كاملة، ومجتمعاتهم مجرد بشر! لكنهم اختلفوا في تمسكهم الشديد بالذاتية، وعدم تركها تضيع في الزحام، وفي هممهم التي لا يفلها شيء.

فحقيقة كل إنسان أنه فريد عصره، قريع قومه، كل إنسان يكون كذلك، لكنه يقتل تلك الفردية بالتنازل الرخيص عنها بأثمان زهيدة. ألسنا بالتنازل عن ذاتيتنا نقتل  حقيقة أنفسنا ونضر المجتمع؟ أليس لخلقنا في هذا الوقت بالذات، وهذا المكان بالذات من دلالة تأبى علينا أن ننخرط في المجموع؟

لكن الطاقة الفردية بطبيعتها شَرود عن قيود المجتمع، وفي نفس الوقت لا بد لها من مجتمع تنظم مهامها فيه، تؤثر وتتأثر بكافة الأشكال.  فإذا ما حررنا الطاقة الفردية، بلا سقف، فليس ثمة مجتمع ولا حياة، وإنما غابة للتنافس الفردي والتآكل الوحشي، وعندما نقيدها فربما ننشر النظام في المجتمع، لكن على المدى البعيد فإننا نهدم المجتمع أيضًا، فلا يكون هناك تجديد ويسبقنا الجميع ونتراجع نحن.  كما أن معنى الحياة يتحقق ابتداءا بتحقيق ذاتية الفرد، ثم دمج هذه الذاتية في كيان اجتماعي متجانس، أما أن يكون الفرد مشغولًا بتحقيق الكيان الاجتماعي وأهدافه، ولو على حساب ذاتيته، فهذا أمر بالغ السوء. قد يتطلب الأمر وقوف الشخص مع الكيان الاجتماعي في بعض الأوقات العصيبة وتنازله عن ذاتيته، لكن على المدى البعيد فذاتيته ومواهبه وقدراته أولى بالتحقيق في الكيان الإجتماعي.

حديثنا في هذه الجزئية من المقال ليس له علاقة بكيفية معرفة سمات الفردية وحدود الذاتية، وإنما يجب عليك الإقرار بأن هناك سماتٍ ما خلقك الله بها وأودعك إياها لأداء مهمة ما، فإذا أقررت ذلك فهيا إلى الجزء الثاني من المقال.

1

كيفية معرفة الذات وسماتها

لكي نتجنب الكلام الهلامي، الذي يكون جميل الشكل فارغ المحتوى، فلنبدأ بتحديد فضاء كلمة الذاتية أولا، فبعضهم يظنها العمل والوظيفة، أو العلم والشهادة، أو الممتلكات والأملاك، أو العلاقات والمعارف، ولكن أليس كل ذلك متغيرا بتغير الحياة ومُضيها قدمًا؟ أليس الموت يجردنا منها ليبقى شيء ما أكبر؟ أليست كل القوالب المزيفة والأقنعة تزول في نهاية الحياة؟ فما الذي يبقى؟

الذي يبقا حتما هو الذات الحقيقية، ولكن ما هي؟ هل هي السمت الظاهر والابتسامة اللامعة وأنواع المظاهر التي نحكم بها على الآخرين دومًا؟ هل هي الحب والعاطفة ومختلف أنواع المشاعر التي نعيشها؟ هل هي العقل والفكر ورصيد الإنسان الثقافي؟

ونقول إنها ذلك كله. فالذات أو النفس هي ناتج تفاعل العقل والقلب والجسد، والتي توصم في النهاية بالخير أو الشر حسب ناتج ذلك التفاعل.

عقل + قلب + جسد = نفس أو ذات

أما عن مدى أهمية فهم الذات فإن أي إنسان على وجه البسيطة يؤمن بأن من واجباته التحكم في نفسه، ودفعها نحو أمور معينة، وإبعادها عن أمور أخرى، لكن كيف يمكن التحكم في شيء لا أعرف ماهيته؟ فأول خطوات التحكم في النفس وضبطها – بغض النظر عن الهدف النهائي من ذلك – هو فهمها فهما دقيقا وسبر أغوارها العميقة، وعندها سيكون من السهل تحريكها لأي اتجاه.

فكيف لي الوصول إلى حقيقتها؟ وكيف ليسبر أغوارها وكنهها الذي يستعصي على أولي الألباب؟

فنورد هنا بعض النصائح التي قد تفيد في سبر أغوار النفس، والتعليقات مفتوحة لمن أراد الزيادة والإضافة:

  1. الصدق مع النفس:

وهي آفة الآفات وعويصة المشكلات، فقد يمر العمر بالإنسان وهو يظن أن مشكلته خارجية فيمن حوله، ويظل مقتنعا بذلك وبساط العمر يسحب من تحت قدميه وهو يخدع نفسه ويضرها ويوردها المهالك بلا وعي منه.

وقد أخبرنا رب العزة في كتابه «بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولوألقىمعاذيره» .4

فمهما حاول الإنسان أن يخفي عن الناس، أو أن يغير صورتهم الذهنية عنه، أو يغير صورته الذهنية عن نفسه بالادعاء والتعذر، فجلسة صادقة ستنبئه بكل شيء!

وتخبرنا الآية أيضا بمجال تفتيش العيوب وتفنيدها، فكل إنسان واجب عليه أن يفند عيوبه هو ويفتش عنها ويبحث في كل اتجاه، لا أن يكون كما نرى يفعل هذا الأمر مع كل الخلق، إلا نفسه!

  1. التعلم واكتساب أدوات الفهم

فرب العزة سبحانه لا يُتعبد بالجهل! والعلم تجميع منظم للكثير والكثير من الخبرات فبالتعلم أستطيع اكتساب فهم أفضل لذاتي وللكون من حولي وتنظيم الخطوات الأولى في التغيير والتجريب، وصياغة الخطوات التالية في التحرك والتغير.

  1. معرفة العيوب «الداخلية خاصة»

عندما نريد معرفة العيوب فإننا نركز على العيوب الخارجية ونسأل من حولنا عنها، ومن السهل التوصل إلى العيوب الخارجية في بعض السلوكيات والأفعال، لكن كل هذه السلوكيات هي ناتج تفاعل عقلي قلبي بعيدًا في دواخل الإنسان، ولا يدرك أبعاد هذا التداخل سوى الإنسان نفسه! فالواجب أن نصب التركيز على الداخل وطريقة تفاعله، على المشاعر المختلفة التي تمر على القلب، والأفكار المتجددة التي تعصف بالعقل، وعندما تمر الفكرة المقنعة على القلب في دعمها بمشاعر عاطفية فمن المستحيل إيقافها ولو وقف دونها الإنس والجن! فإذا أردت إيقاف السلوك الفاسد فالواجب أن أقطع جذوره الكامنة داخلي أولًا.

  1. معرفة الميول والرغبات

فالميول تعتبر سلوكًا خارجيًا، لكن معرفتها وتقييمها تبين حب الإنسان لكذا، ورفضه لكذا، وبمعرفة ذلك يسهل على الإنسان فهم محركاته ودوافعه وبالتالي التحكم الأفضل فيها.

  1. معرفةالقدرات

لكي تتحرك في أي اتجاه يجب أن تعرف أين أنت، وأين تريد أن تذهب، وأين الطريق الذي سينقلك من مكانك للوجهة التي تقصدها.

فمعرفة القدرات على حقيقتها تساعد في التحرك الواعي نحو الهدف، لكيلا نجد أنفسنا نبتعد عنه ونحن نظن أننا إليه ذاهبون! لكنها أيضا معرفة عقلية متحركة لا جامدة، فإذا وجدت أن عندي خللًا ما فأنا أعرفه لكي أعدله وأسير في الطريق السليم، لا لكي أتذرع بهذا الخلل ليمنعني من الحركة ابتداء.

كما أن معرفة القدرات تساعد على بناء الصورة الذهنية السليمة للشخص عن نفسه، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

  1. تطويع الرغبات والميول مع القدرات

وهنا نختبر حقيقة الرغبة، وهل نريدها حقًا أم إنها رغبة كاذبة، ونختبر حقيقة القدرات وقدرتها على المواجهة الحقيقية في بحر الحياة لا المواجهة العقلية في الأذهان.

  1. نقاط الاشتباك والتفاعل مع المجتمع

فلا تعني الفردية أن أكون أنانيًا، أو أن أرى أنني أفضل منهم وأجدى منهم، فالأفضلية لا يعلمها إلا الله سبحانه، وإنما الفردية هي ترك الإنخراط في المجموع لأجل الانخراط نفسه! فإن كان الإنخراط لإضافة قيمة للنفس أو للمجموع فذلك خير، فالواجب الاستفادة ممن نعتبرهم ثقات في مجموع الناس والتعلم الدائم منهم، وزيادة التفاعل مع المجتمع بأشكال مختلفة، من السفر والسعي، أو التعلم والدراسة، أو طلب النصح والعون، والحكمة ضالة المؤمن.

  1. الصبر على ما فات كله!

الصبر على النفس وسياستها بالحكمة والأمل، والصبر على الناس، والصبر على مرور الزمن، الصبر الطويل ومعرفة أنه أصعب الأمور على النفس، فما انقادت الآمال إلا لصابر، والمغنم على قدر المغرم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد