معركة العقاب (609هـ)

استطاع الخليفة الموحدى الثالث أبو يوسف يعقوب المنصور أن يوقف الزحف القشتالي على الأندلس، عقب انتصاره في موقعة الأرك في عام 591هـ، وقد نتج عن هذا الانتصار الباهر أن هرعت قشتالة لطلب الهدنة من خليفة الموحدين، وتابعتها في ذلك مملكة ليون، ووافق المنصور على إبرام تلك الهدنة، ورجع إلى عاصمته في المغرب بعد أن اطمأن نسبيًا على أملاك دولته في الأندلس.

وبعد وفاة المنصور تولى الخلافة ابنه أبو عبد الله محمد الناصر عام 595هـ، وقد شُغل الناصر بإخماد الثورات في فاس وإفريقية، ودخل في صراع مع القائد المرابطي يحيى بن إسحاق الميورقي، وهزمه أكثر من مرة، حتى قضى على مقاومة المرابطين نهائيًا عام 604هـ، فلما قضى على خطرهم، استطاع عندئذ أن يوجه عنايته إلى شبه الجزيرة الإسبانية؛ لكي يرفع فيها راية الإسلام على النصرانية.

أما بالنسبة لممالك إسبانيا النصرانية، فقد كانت تتحين الفرصة التي تستطيع فيها أن تأخذ بثأرها، لا سيما ألفونسو الثامن الذي كان يتوق للانتقام من هزيمته في الأرك، ففي أوائل عام 1209م سار ألفونسو الثامن صوب جيان وبياسة، فانتسف الحقول، وخرب الضياع. وفي العام التالي وصل في عيثه إلى أراضي ولاية مرسية، ثم عاد إلى طليطلة مثقلا بالغنائم.

كما أن بيدرو الثاني ملك أراجون خرج ومعه فرقة من فرسان المعبد ” الداوية” وسار جنوبًا نحو أراضي ولاية بلنسية الشمالية، وعاث فيها واستولى على عدة من الحصون الإسلامية في تلك المنطقة.

ويذكر ابن عذاري في أحداث عام 607هـ أن الناصر قد وفد عليه جماعة من وجوه بلاد شرق الأندلس معرضين بآثار العدوان البرشلوني في بلادهم، وانتهاكه لطارفهم وبلادهم؛ فقوى عزم الناصر على نصرهم والحركة إليهم.

وفي سنة ثمان وستمائة أمر الناصر لدين الله باستنفار الحشود الأندلسية، وبعمل الآلات الحربية، واستمر قدوم الجند على الناصر لفترة، وكان قد أرسل إلى والي إفريقية الشيخ محمد بن أبي حفص يستشيره في الخروج لغزو النصارى، وأبدى له الشيخ رأيه في التريث ونصحه بعدم العبور في ذلك الوقت، ولكن الناصر لم يأخذ بنصيحة الشيخ، وقام بالعبور إلى الأندلس.

وتجدر الإشارة إلى المعاناة والفوضى التي لاقتها الجيوش الموحدية قبل وصولها إلى الأندلس عندما وصلت إلى “قصر كتامة” و”سبتة” وهو الأمر الذي أغضب الناصر فأمر بمعاقبة الولاة المهملين واستصفاء أموالهم.

وبعد جواز البحر، نزل الناصر بطريف ثم اتجه إلى إشبيلية فقابله واليها، واجتمعت الجيوش الموحدية والأندلسية فيها، وبعد أن وصلت الجيوش لحالة التعبئة العامة اتجه الناصر نحو قرطبة، ثم سار إلى جيان، وكانت وجهته النهائية هي قلعة شلبطرة القريبة من قلعة رباح.

وكان اختيار الناصر لقلعة شلبطرة هدفًا لحملته له أسباب قوية؛ ذلك أنه بعد أن قام المنصور بالاستيلاء على قلعة رباح عام 591هـ انتقل مركزها الحربي والعسكري إلى شلبطرة، فأصبحت مركزًا لخروج الحملات والجيوش للعيث في أراضي الدولة الإسلامية، ولذلك كانت تمثل مصدر إزعاج وقلق لا بد من التخلص منه.

أما عن الجيوش التي صاحبت الناصر في تلك الحملة، فيرى المؤرخ يوسف أشباخ أنها قد تكونت من خمسة جيوش تألفت من ” البربر والجنود المغاربة وجند الأندلس، والجنود النظامية الموحدية والمتطوعة” ويرى أنه من الممكن أن يقدر الجيش الذي حشده محمد الناصر لمحاربة إسبانيا النصرانية بنحو نصف مليون مقاتل.

خرج الناصر من جيان متجهًا شمالا إلى قلعة شلبطرة، وكانت تقع على ربوة عالية بالقرب من جبل الشارات، وكانت من أكبر وأمنع قلاع تلك الناحية، وبمجرد أن وصلت الجيوش الموحدية عند القلعة، وأمر الناصر جنده فحاصروها، ووضعوا عليها أربعين منجنيقًا لضربها وهدمها.

ويبدو أن الناصر لما رأى مناعة القلعة، ووجد أنه من الأفضل أن يتم تركها، ومواصلة المسير لباقي مدن قشتالة، ولكن وزيره (أبو سعيد بن جامع) عارضه في ذلك وقال له: يا أمير المؤمنين لا تتجاوزها حتى نفتحها فيكون أول الفتح.

واستمر الناصر في حصار القلعة المنيعة لمدة ثمانية أشهر، لاقى فيها الموحدون الإنهاك والجوع والمرض، خصوصًا وأن فصل الشتاء قد ابتدأ، وأن الكثير من الصعوبات قد واجهت الموحدين في عمليات نقل الأطعمة والمؤن والإمدادات لخطوط الجيش الأمامية.

وقد حاول ألفونسو الثامن إنقاذ القلعة عندما أرسل جيشًا بقيادة ابنه “فرديناند” إلى ولاية استرامادورة، محاولا تخفيف الضغط على قلعة شلبطرة، ولكن لم تنجح تلك الخطة في وقف الضغط الموحدى على القلعة.

وأخيرًا استطاع الموحدون إجبار حامية القلعة على الاستسلام بعد أن وعدوها بالرحيل إلى قشتالة، ولكن في مقابل ذلك كانت حالة الجيش الموحدى بالغة السوء؛ حيث يصفها صاحب “روض القرطاس” بقوله: “دخل فصل الشتاء، واشتد البرد وقلت العلوفات، وفنيت أزواد الناس، ونفذت نفقاتهم، وكلت عزائمهم، وفسدت نياتهم التي قصدوا بها للجهاد، وقنط الناس من المقام”.

وبعد سقوط قلعة شلبطرة في يد الناصر، خاف ألفونسو الثامن من إكمال المسلمين لحملتهم في بلاده، فهرع إلى حلفائه من ملوك النصارى؛ ليستنصرهم ويستصرخهم.

وأرسل ألفونسو الثامن مبعوثًا من قبله إلى البابا “أنوسان الثالث” في روما؛ يرجوه أن يدع لتنظيم حملة صليبية ضد المسلمين في الأندلس، كما أنه قد أرسل (ردريك) مطران طليطلة إلى فرنسا والبلاد الواقعة شرقها؛ ليدعو أهلها إلى القدوم لإسبانيا لقتال الموحدين.

وفي “قونقة” حدث اجتماع مهم بين ممثلي الممالك الإسبانية، وتم الاتفاق على أن يقوم جميع الملوك بالمشاركة في قتال الموحدين، وأن يشاركوا بالجند والأموال.

وفي الوقت الذي كان ملك قشتالة فيه يعمل على الحشد ضد الموحدين، رجع الناصر بجيشه إلى إشبيلية، وأرسل في استدعاء الحشود من كل صوب ومكان؛ لإحساسه باقتراب ميعاد المعركة الفاصلة مع النصارى.

وفي يونيه عام 1212م، كانت عدد الجيوش الوافدة على قشتالة قد وصلت إلى عشرة آلاف فارس، ومائة ألف من الرجالة، وأمر البابا أنوسان الثالث في روما بالصوم ثلاثة أيام والصلاة التماسًا لانتصار جيوش المسيحية على المسلمين.

أما الناصر فخرج بحشوده من أشبيلية إلى جيان يوم 23يونيه عام 1212م، وكانت قلعة رباح هي وجهة الحملة الصليبية؛ لمحاولة استعادتها من يد الموحدين عقب سقوطها بعد معركة الأرك.

وكان (أبو الحجاج بن قادس) هو رئيس حامية المسلمين في قلعة رباح، ولما أحاطت به جموع النصارى ظل يدافعهم بحاميته المكونة من سبعين فارسا، وأرسل إلى الخليفة لإنقاذ القلعة من السقوط، ولكن لما تأخر قدوم الناصر يأس ابن قادس من مقدمه، وسلم القلعة صلحًا للنصارى؛ حفاظًا على أرواح الحامية.

وركب ابن قادس ومن معه إلى معسكر الناصر، ولكن الوزير أبا سعيد بن جامع رفض أن يدخله على الناصر، وأغرى به الخليفة فتم قتله جزاءً له على تسليم قلعة رباح.

ويبدو أن ما حدث قد أثار غضب العديد من القادة الأندلسيين الذين رفضوا قتل ابن قادس، وكانوا يرون في قتله ظلمًا وغدرًا، ولما أحس الوزير بما يعتمل في قلوب القادة الأندلسيين اجتمع بهم، وطلب منهم اعتزال الجيش الموحدى وتركه.

ومن الجدير بالذكر أن الفتنة التي أصابت الجيش الإسلامي بسبب تسليم قلعة رباح صلحًا، قد ضربت أيضًا الصف النصراني؛ ذلك أن الكثير ممن قدموا من خارج إسبانيا لقتال المسلمين رفضوا أن يتم فتح القلعة صلحًا بغير دماء، إذ كانوا يرون أن هدف حملتهم هو قتل المسلمين، وليس فتح المدن والقلاع لحساب صاحب قشتالة، بالإضافة إلى أن حرارة إسبانيا المرتفعة عما عهدوه في بلادهم قد جعلتهم يضيقون ذرعًا بالبقاء في الجزيرة، ومن ثم انصرف عدد كبير من النصارى الوافدين من خلف جبال البرنيه عائدين إلى بلادهم.

وانضم ملك نافار بقوات قليلة العدد لألفونسو الثامن بفعل ضغوط البابا بالرغم من حروبه السابقة مع قشتالة، ومهادنته للموحدين، واستمرت القوات النصرانية في سيرها جنوبًا حتى وصلت لجبال الشارات “سييرا مورينا” دون أن تتعرض في سيرها لقلعة شلبطرة.

أما الناصر فقد كان في حالة نفسية سيئة جدًا لما عرف خبر استيلاء النصارى على قلعة رباح، فشق عليه ذلك؛ حتى امتنع عن الطعام والشراب، حتى مرض من شدة التغيير.

غادر (الناصر) جيان، وسار على ضفة نهر الوادي الكبير اليمنى نحو بياسة، واحتلت سريات من جنده ممرات جبل الشارات، وكانت تلك الممرات من الصعب اقتحامها لو قام بحمايتها عدد قليل من المقاتلين. وفي هذا الوقت قام أحد الرعاة الجبليين المقيمين في المنطقة بإرشاد ملوك النصارى إلى طريق مرتفع يمكن الجيش المسيحي من العبور للسهل دون المرور بالممرات الجبلية التي يسيطر عليها المسلمون، وبالفعل قام القائد “ديجو لويز دي هارو” بمعاينة الطريق والتأكد من صدق رواية الراعي، ومن ثم اندفع الجيش كله للمعسكر الجديد. وعقب استقرار الجيش النصراني في مكانه الجديد، أرسل لهم الناصر رسله داعيًا للقتال في نفس اليوم، ولكن ألفونسو الثامن رفض المسارعة للقتال؛ خوفًا من الإرهاق الذي تعرض له جيشه أثناء الانتقال إلى مكانهم الجديد.

وفي ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر سنة 609هـ، استعد الفريقان لخوض المعركة، وقضى النصارى شطرًا من الليل في الصلاة والدعاء، ولم نجد شيئًا من تلك المظاهر في روايات المؤرخين المسلمين عن معسكر الموحدين.

وبدأ القتال في صباح الاثنين، وبدأ بقتال بين طلائع النصارى ومتطوعة المسلمين، واستطاع المسلمون رد النصارى في البداية، ولكن ما لبث أن هزموا، فتصدت قوات القلب الموحدية لهم وردتهم، أما جناحي الجيش الإسلامي فدخلا في قتال مع جناحي جيش النصارى، ولما أحس ألفونسو الثامن بتفوق الموحدين نزل بقواته الاحتياطية إلى أرض المعركة، وشدد من الضغط على جناحي المسلمين، فما لبث أن انسحب الجند الأندلسي والعرب، مما شدد من الضغط على قلب الجيش الموحدى؛ حتى إن قوات قشتالة اقتربت جدًا من قبة الخليفة الحمراء، واستطاعت أن تخترق نطاق حرسه وأن تصل إليه، وكان الناصر وسط كل تلك الأحداث ثابتًا ثباتًا لم ير لملك قبله، وكان يحاول أن يحمس جنوده ويوجههم رافضًا الهروب حتى آخر لحظة؛ حتى قتل حوله من العبيد أكثر من عشرة آلاف عبد، إلا أنه اضطر في آخر لحظة أن يمتطي جواده، ويفر مع فلول جيشه نحو بياسة، ومنها سار إلى جيان.

أسباب هزيمة الموحدين:

1-   اختلال نظام الجيوش الموحدية، وعدم توحيد قيادتها والتنافر بين أفرادها.

2-   تسلط الوزير أبو سعيد بن جامع في القرارات الهامة، واتباع الخليفة الناصر لرأيه.

3-   قتل أبو الحجاج بن قادس قائد حامية قلعة رباح؛ حيث إن الكثير من قادة الجيش غضب من ذلك القرار، واستاء منه.

4-   إبطاء الناصر في العطاء للجند.

وبعد رجوع الناصر إلى إشبيلية سرعان ما رجع إلى المغرب؛ حيث استقر بمراكش، وتوفي بها يوم الثلاثاء العاشر لشعبان المكرم عام 610هـ.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب ( ابن عذارى المراكشي
(الأنيس المطرب وروض القرطاس في اخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس) على بن أبى زرع الفاسي
(نظم الجمان في أخبار الزمان) ابن القطان
(المعجب في تلخيص أخبار المغرب) عبد الواحد المراكشي
(دولة الإسلام في الأندلس) محمد عبد الله عنان
(المهدى بن تومرت: حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب) عبد المجيد النجار
عرض التعليقات
تحميل المزيد