شكّلت ثورات الربيع العربي علامة فارقة في تاريخ الشعوب والأنظمة القمعية، فالشعوب أثبتت قدرتها على الفاعلية بعد أن ظلت في سبات لعقود خلت، والأنظمة أثبتت مدى حقارتها في استخدام كل الأساليب والمؤامرات رغبة منها في سلب إرادة الشعوب وإعادتها إلى حظيرة الطاعة العمياء.

وبينما تتكتل الأنظمة العربية فيما بينها لمواجهة الطوفان الشعبي وتحيك المؤامرات، نجد ركاكة تحيط بتحالف الشعوب فيما بينها، نظرًا لأن رواسب الاستعمار التي مزّقت العالم الإسلامي وصنعت حدودًا ودويلات وأعلامًا وجنسيات لم تزل محط تبجيل وإعلاء في الوعي الجماهيري.

تحالفت الأنظمة القمعية في بلدان الثورات مع دول خليجية، للقضاء على الثورات الشعبية ولقطع الطريق أمام أي ثورة قد تندلع في دول الخليج العربي، في إطار ما عرف بالثورات المضادة، وتصدرت إمارات الخليج هذا الدور الخبيث، وامتد دورها إلى محاربة الإسلام بشكل علني في جميع بقاع العالم، حتى أضحت حالة العداء للإسلام جزءًا أساسيًا من مهام هذه الأنظمة.

في أغسطس (آب) الماضي منحت الإمارات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وسام زايد من الدرجة الأولى، ومنحته البحرين وسام البحرين، كتقدير لجهوده في محاربة مسلمي كشمير، وإلغاء الحكم الذاتي الذي ظلوا يعيشون في كنفه لسبعة عقود. قبلها زار محمد بن زايد الصين، وعبّر عن دعمه للإبادة التي تشنها الصين في حق مسلمي الإيغور، ووضع أكثر من مليون مسلم في معسكرات خاصة، وهذه القضية لم تقف عند حد تأييد محمد بن زايد فقط؛ إذ تبعته بقية دول الخليج ومصر، ودول أخرى، بإصدار بيان يؤيد حملة الإبادة الصينية. وهذا جزء يسير من حملة منظمة تشارك فيها أنظمة عربية، وتهدف إلى محاربة الإسلام والمسلمين، ووأد تطلعاتهم باستخدام شعارات ملفتة كمحاربة التطرف والإرهاب.

تدرك الأنظمة العربية أن الدين الإسلامي محرك رئيس للطاقات الشعبية من خلال نصوصه التي تدعو إلى الحرية والعدالة ورفض الظلم والعبودية، وتؤكد على أن يستند الحكم إلى مبدأ الشورى لا التوريث، والمحاسبة لا المداهنة، ولذلك كان بديهيًا أن يجري استهداف الإسلام بهذه الصورة الفجة، وأن يتعرض لحملة ممنهجة لتجييره بما يخدم توجهات السلطة الحاكمة، ويبقيها جاثمة فوق صدور الشعوب أمدًا بعيدًا.

المؤامرات العربية التي تقودها أنظمة خليجية ضد الإسلام والمسلمين وتطلعاتهم في العيش الكريم والعدالة والحرية في أكثر من مكان، تعكس طبيعة السياسة الجديدة التي تهدف إلى علمنة المجتمعات، وإلغاء الرابط العقائدي بين الشعوب المسلمة الذي يعد أقوى مما سواه من الروابط، وحتى لا تظهر هذه السياسة على أنها معادية للدين، فلابد أن يبقى «الإسلام المعتدل» حاضرًا من خلال زمرة من الدعاة وعلماء السلطة، ومجموعة من الأحكام والتشريعات التي تجيز للحاكم كل ما يقوم به، ولو أن «يزني على الهواء مباشرة» كما قال أحد علماء السلطان.

المؤامرات العربية المتحدة ضد الدين الإسلامي وتطلعات الشعوب تتسع يومًا بعد آخر، وهو ما يوجب من الشعوب أن تعيد ترتيب صفوفها انطلاقًا من أرضية إسلامية تشمل الجميع، ومن ثم تتحرك بجهد جماعي لمواجهة المؤامرات والدسائس التي تتربص بها، بما يحقق لها تطلعاتها التي رفعتها في ثورات الربيع العربي، ويحمي هويتها الإسلامية التي تتعرض لحرب فكرية وحملة تشويه، ويراد لها أن تصبح تهمة مريبة لا مفخرة تثير الأنفة والاعتزاز.

إن مما يبهج النفس أن نشاهد الملايين في العراق ولبنان والجزائر وهي تعيد للربيع وهجه الذي كاد ينطفئ بفعل المؤامرات العربية، وعندي ثقة أن الموجة الثانية من الربيع العربي ستسهم إلى حد كبير في إعادة اللحمة بين الشعوب، في مقابل خفوت التعصب الوطني الذي برز في السنوات الأخيرة، وكان سببًا في انفراد الأنظمة الوظيفية المتحدة بكل ثورة على حدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد