تستمر الولايات المتحدة الأمريكية ببلطجتها وتحكّمها بالمنظمات الدولية ومن بينها مجلس الأمن. فلم تكتفِ إدارة السيد ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل وإعلانها نقل سفارتها إلى القدس بل استمرّت بعنجهيتها المعتادة وتعنتها واستخدمت حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار (أقل ما يقال فيه إنه أقل بكثير من التوقعات المطلوبة) تقدّم به الوفد المصري نيابة عن المجموعة العربية هناك. وهدد كل من ممثل الولايات المتحدة (نيكي هيلي) ورئيسها دونالد ترامب الدول التي ستصوت مع القرار في الهيئة العامة للأمم المتحدة بقطع المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لهم في سابقة دبلوماسية في تاريخ الأمم المتحدة والعلاقات الدولية.

ما الذي حدث؟

· أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطاب من البيت الأبيض الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل بتاريخ 16/12/2017، وقال إنه وجّه أوامره إلى الخارجية الأمريكية للبدء بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

وقال ترامب «قررت أن الوقت قد حان أن نعلن رسميًا الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل»، مضيفًا أن «الرؤساء الأمريكيين السابقين جعلوا من هذا الموضوع وعدًا انتخابيًا لكنهم لم ينفذوه، وها أنا أنفذه وأعتقد أنه إجراء لمصلحة الولايات المتحدة ولتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين».

واعتبر ترامب أن هذه الخطوة تأخرت كثيرًا، وقال إن «إسرائيل دولة ذات سيادة ومن حقها أن تقرر ما هي عاصمتها».

· مشروع قرار مصري في مجلس الأمن الدولي يرفض إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وصُوّت عليه في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2017، ونال موافقة جميع الدول الأعضاء في المجلس، باستثناء الولايات المتحدة التي استخدمت الفيتو ضده، في حين تعهد الفلسطينيون بالتوجه نحو الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة قرار ترامب.

· بعد فشل المشروع المصري في مجلس الأمن قررت كل من المجموعة العربية والإسلامية التوجه إلى الهيئة العامة للأمم المتحدة والتي لا يملك أي عضو من أعضائها الـ193 حق النقض الفيتو، وعلى ذلك ستعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة جلسة طارئة الخميس للتصويت على مشروع قرار يرفض اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل بعدما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضده في مجلس الأمن.

وطلب اليمن وتركيا عقد الجلسة الطارئة للجمعية العامة التي تضم 193 دولة باسم كتلة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

· شعرت الولايات المتحدة أنها في طريقها لعزلة سياسية أخلاقية نظرًا للتأييد الكبير الذي أعرب عنه المجتمع الدولي مع الفلسطينيين ومعارضتهم للولايات المتحدة بقراراتها التي اتخذتها دون التشاور معهم. ولذلك أرسلت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نكي هيلي رسائل تهديد للدول الأعضاء التي تنوي التصويت غدًا الخميس لصالح مشروع قرار تقدمت به كل من تركيا واليمن بهدف إبطال قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة إسرائيل.

وقالت هيلي إن رئيسها ترامب طلب منها تقريرًا عن كل دولة ترفض الانصياع، وهذه سابقة في كواليس الأمم المتحدة. وقال مراسل الجزيرة مراد هاشم إن تحذير هيلي استعمل مفردات غير معهودة في العلاقات الدولية وتحذيرًا مباشرًا من التصويت ضد قرار ترامب بشأن القدس.

هيلي التي تتصرف وكأنها وزير خارجية الولايات المتحدة، ولعلّ هذا الاعتقاد صحيح نوعًا ما نظرًا لأن الولايات المتحدة تعيش «انفصام شخصية» في ظل إدارة ترامب. فمن ناحية يجوب صهر الرئيس ترامب أرجاء المنطقة دون أي صفة رسمية ويعارض بتصرفاته ما تتخذه وزراة الخارجية الأمريكية وما يقرره «تيلرسون» وزير الخارجية الفعلي. من هنا بدا وكأن أيام «تيلرسون» باتت معدودة وخصوصًا بعد التصريح الذي طالب به العربية السعودية بأن تخفف الحصار على اليمن وتسمح بوصول المساعدات وهو ما يتعارض مع سياسة ترامب ومن خلفه صهره بذلك.

تستغل «هيلي» هذا التعارض لتمارس «تشبيحًا» سياسيًا يعتبر سابقة في علاقات الدول وسابقة في تاريخ الدبلوماسية. هيلي التي قالت خلال مشاركتها في مؤتمر اللوبي اليهودي في أمريكا، إنها ضد قرار مجلس الأمن الدولي ضد المستوطنات، وأن زمن مصارعة (إسرائيل) انتهى وأنا أحتذي حذاء ذا كعب عالٍ ليس (موضة)، وإنما لأضرب به مجددًا في كل مرة يحدث فيها شيء غير صحيح (تقصد انتقاد إسرائيل).

مرر القرار رغمًا عنهم

وجّهت الجمعية العامة لـ«الأمم المتحدة»، مساء الثلاثاء صفعة للولايات المتحدة الأمريكية بتصويتها بالأغلبية لصالح قرار يؤكد حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير.

وجاء ذلك بعد أقل من 24 ساعة على استخدام واشنطن حق النقض «الفيتو» في «مجلس الأمن الدولي» بمواجهة 14 دولة صوّتت لصالح مشروع قرار باعتبار إعلان القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي غير شرعي وغير قانوني، ومنافيًا للقانون الدولي والشرعية الدولية، ويعرقل مسيرة السلام والاستقرار في المنطقة.

هذا التصويت له معنى سياسي يزيد من عزلة الولايات المتحدة برفض العالم للموقف الأمريكي بشأن إعلان القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي.

وصوّتت الجمعية العامة بأغلبية 176 دولة لصالح القرار الفلسطيني، فيما صوّتت سبع دول ضد القرار منها الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل»، وامتناع أربع دول عن التصويت.

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية مشروع قرار عربي إسلامي يرفض أي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع في القدس الخميس 21/12/2017، وهو ما يعني رفض القرار الأمريكي اعتبار المدينة المقدسة عاصمة إسرائيل.

وجاء التصويت في جلسة طارئة على مشروع القرار – الذي قدمته تركيا واليمن باسم المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامية – بموافقة ثلثي الأعضاء بواقع 128 صوتًا، مقابل تسعة أصوات رافضة وامتناع 35 عن التصويت، في حين انسحبت مالي وأفغانستان من المشاركة في تقديم المشروع. وإنْ كان القرار غير ملزم لكنّه يحمل ثقلًا سياسيًا.

وحظي المشروع بتأييد أغلب الدول للموقف الفلسطيني ورفضها لإعلان ترامب حتى من أقرب الدول الصديقة (فرنسا وبريطانيا). بعد هذه الخطوة ينبغي على المجموعة العربية والإسلامية التوجه مرة أخرى إلى مجلس الأمن ولها ثقل قوي نتيجة استصدارها قرارًا من الهيئة العامة وينبغي كذلك إعداد مشروع قرار لعرضه على مجلس الأمن تسعى من خلاله المجموعة العربية لاعتبار الولايات المتحدة طرفًا في النزاع للاستفادة من البند الثالث من المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي منع الولايات المتحدة الأمريكية من التصويت.

ونأمل بعد ذلك بإصدار قرار ملزم من مجلس الأمن باعتبار التصرف أحادي الجانب غير الشرعي وغير القانوني من طرف ترامب لاغيًا. ولم ينفع «نيكي هيلي» أي إرهاب وتهديد تمارسه هي وإدارة الرئيس ترامب لثني الدول عن التصويت لصالح مشروع القرار العربي الإسلامي. وسيسجل التاريخ فعلتهم هذه كأول مرة في العلاقات الدبلوماسية وهي أن تمارس دولة عظمى إرهابًا ضد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد