مهما حاولت أن تبتعد عن هذا الواقع السياسي الكوميدي المبكي، سيظل يلاحقك أينما رحلت وارتحلت في وطن ما زلنا نطالب فيه بالحق في الحياة، وشهادة الحياة، كي نثبت أننا أحياء، أو على الأقل لسنا أمواتًا سكنوا القبور، بل أمواتًا فقط ما زالوا يجوبون الشوارع بحثًا عن أمل يبث فيهم الحياة، مهما حاولت أن تنزوي وتكون في حالك كما علموك وأنت صغير، ستستفزك العناوين والشطحات الإعلامية التي يخرج فيها بعضهم كي يقدم حوارات من الأحرى ألا تخرج عن مشاحنات الأحياء، لكن في ظل تدني كل شيء أصبحت هي المادة الأساسية لإعلام انقسم إلى: واحد يهوى الفضائح الأخلاقية وينشرها بفخر من حرر الأندلس، وآخر يحدثك عن الحاجة التي تربي الأرانب وكيف أنها سعيدة، بينما تجد آخرين يصطادون البؤساء الذين -من أجل تملق الأسياد- لا يزنون الكلام.

إن في مثل هاته الاحتجاجات لا يجب الخوض أبدًا في المصطلحات الكبيرة من أجل التضليل، الحري أن تعالج معالجة سلسة، وباحترام رأي المستهلك وليس الشعب عامة، المسألة في غاية البساطة تهم شركات مسيطرة على السوق الاستهلاكي المغربي بأكثر من 50%، يعني نتحدث عن ملايين المستهلكين، لماذا لا ننطلق من هنا؟ من منطلق البائع والمشتري؟ من المثل المصري: «ما بين الشاري والبايع يفتح الله»؟ إنها ليست قضية وطنية، بل قضية استهلاكية طغى فيها طرف ظانًا أن الطلب سيستمر مهما كان الثمن، متناسيًا أن المنتج بالأصل ليس جزء لا يتجزأ من حياة المغربي العادي، بالإضافة إلى وجود شركات أخرى تقدم المنتج نفسه.

لقد تسابقت منذ مدة وجيزة وسائل الإعلام كي تستضيف الفنان الصاعد من أجل حوارات طويلة ومطولة، ذهبت إلى تفاصيل حياته اليومية، وتحليل معمق لكلمات الأغبياء، غير أن مثل هاته الأحداث المهمة التي تعطي بصيصًا من الأمل في الوعي المجتمعي وإدراك قيمة التحرك جماعة لا تجذب اهتمام إعلام الدرهم الذي لا يهلل لغير الخلاعة والانحطاط، لم نر خلال هاته الأيام ولا مقابلة واحدة مع ممثلي المجتمع المدني الذين بدورهم دخلوا في دورة السبات العميق، لتقتصر المعطيات المتاحة على صور يقدمها الناس باندفاع كي يدافعوا عن وجهة نظرهم، في الوقت الذي كان من اللازم أن تنخرط جميع عناصر المجتمع لأجل المناقشة والمعالجة، ما زال بعضهم يؤمن باستراتيجية الصمت والتجاهل، لكن الجرح الصغير حين يهمل ويتجاهل يتعفن ويصيب الأطراف الأخرى، فيضحى من الصعب علاجه إلا بالبتر، وهذا ما لا نتمناه؛ لأن المجتمع ليس محضرًا كي يعيش أي نوع من الحراك الجماعي، والأضرار الناجمة عن هاته الاحتجاجات التي ما زال البعض يراها هامشية في الوقت الذي قد تقلب فيه الكفة وتصبح مصيرية.

إن الإعلام المغربي المتدني مستواه للحضيض لم يكتف بعدم الخوض في هاته المقاطعة؛ بل تجرأ على الانخراط في طرح المؤامرة وخيانة الوطن، كي تطرح تساؤلات كثيرة: ما الوطن؟ وهل أضحى الوطن شركات رأسمالية يجب الخضوع لها ومنحها كل ما نملك؟ هل الوطن كأس حليب وماء؟ أم هو رجال أعمال فاحش الثراء وجب التهليل لهم؟ ومتى جمعت الفوارق الاجتماعية الشعب؟ ألم تكن تلك الفوارق هي التي جعلت الفقير جاهلًا وسارقًا ومجرمًا أحيانًا؟ أليست تلك الفوارق هي التي جعلت البعض يفترش الأرض ويتغطى السماء وغداؤه الدعاء؟ أليست الفوارق الاجتماعية هي التي جعلتنا عبيدًا للعمل كي لا ننزل في سلم الطبقات من الطبقة المتوسطة إلى المعدمة؟

لقد تمادى الإعلام والمسئولون في استغلال الوطن والضرب في وطنية الشعب مقابل أن يحتفظوا بتلك الأموال الطائلة، والسلطة التي ما استعملت إلا لإرهاب العامة، وتذكيرهم بأن الوطن هو بضعة أشخاص، المساس بدرهم بين مليارات دولاراتهم هو مساس بالوطن.

لماذا تطرح في كل مرة فكرة المؤامرة، وتلك الكلمات التي لا يفهمها العامة، كالأجندات الأجنبية من أجل تحويل احتجاج إلى طرح ماسوني وقف عليه العدو، لماذا ما زالت الدولة والشركات «الحاكمة» ترى عموم المغاربة حميرًا يسهل تلجيمهم والركوب على ظهورهم، أو على الأقل تقييدهم وتوجيهم بالعصا والفتات كي يتبعوا الطريق الذي رسم لهم، لماذا لا يحترم الاحتجاج والخروج بقرارات واضحة تخدم مصلحة الشعب الذي يعيش منه الملايين في فقر مدقع؟ لماذا ما زال السياسيون يحفظون الألاعيب السياسية القديمة، ويمارسونها بسذاجة كأننا للتو أخذنا استقلالنا؟

إن المقاطعة التي تقودها بعض مكونات الشعب من اللازم أن ينخرط فيه الكل، حتى وإن كان مستواه المعيشي لن يضر بتلك الزيادة، لكن فقط اثباتًا أننا شعب واحد وفي للوطن وحده وخائن لما سواه من ذل ومهانة.

من اللازم أن تنخرط جميع مكونات المجتمع في هذا الاحتجاج؛ كي يكون الشعب المغربي يدًا واحدة، ويتم التأطير والترويج لهاته المقاطعة التي بدأ بعضهم بتخوين أعضائها، وقد يخرج بعضهم غدًا بتصريح أن بعض المستهلكين على علاقة بشركة المراعي ويتلقى تمويلًا من أجل تجنيد أفراد يقودون المقاطعة، ويتحدثون عن أموال وحسابات في إطار الاستهزاء بتأثير المستهلك العادي الذي من المفروض أن يكون ملكًا.

إن المقاطعة كانت، ويجب أن تظل، وجهًا لاحتجاج الشعب السلمي على غلاء الأسعار وتدني الأجور والمستوى المعيشي، ويجب ألا ننسى: «متحدين نقف، متفرقين نسقط»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد