إن تكن تبحث عن مسكن الروح فأنت روح، وإن تكن تفتش عن قطعة خبز فأنت الخبز، وإن تستطع إدراك هذه الفكرة الدقيقة فسوف تفهم أن كل ما تبحث عنه هو أنت.             *جلال الدين الرومي.

أحيانًا قد تقترب من بعض الأشخاص؛ رغبة في الحصول على بعض الاهتمام، وسرعان ما يمر الوقت، ويبدأ ذلك الاهتمام في التناقص؛ لأن مقدار الشيء لا يستمر مثلما بدأ، إلى أن ينتهي وتبتعد؛ فتختلف نظرتك هذه المرة، وتشعر أنك نضجت، وتستطيع الاختيار السليم؛ فتبدأ تبحث مرة أخرى عن شخص لتشاركه اهتماماتك البسيطة، وتشعر أن اختياراتك البسيطة قد تكون مصدرًا لسعادة شخص آخر، أو أنها قد تعجب أحدهم، ثم بعد ذلك تقنع نفسك بأن هذا ليس ما تحتاجه، فأنت تحتاج لشخص يناقشك، ويرفض، ويعبّر، ويشعرك بشيء من الإثارة والاختلاف، فيبدأ أن يحدث الصدام بينك وبين هذا الشخص، الذي ظننت في البداية أن هذا كل ما تريده.

فتعاود وتغير أولوياتك في تلك المرة في الاختيار، وترى أنه من الطبيعي أن تكون التجارب السابقة قد أوضحت لك ما تريد، ولكنك تفشل مرة أخرى في الاختيار، فتقرر حينها الابتعاد، وعدم الدخول في تجارب أخرى، وتظل تقنع نفسك بأنك هكذا في حالة أفضل، ولكنك يجذبك البعض، وتتردد وتبتعد، وتحاول الاقتراب مرة أخرى، وتتساءل: لماذا تكرر ما تفعله كل مرة؟ ولماذا تضع نفسك في هذه الدائرة مرة أخرى وتلجأ دائمًا للونس؟

إن الإنسان مهما كان قويًا، لا يعادل ذبابة إذا كان وحيدًا.       *عبد الرحمن منيف.

فنحن ندخل في العديد من العلاقات؛ كي لا نشعر بالوحدة؛ فالوحدة شبح يروعنا كل ليلة، ويكبر كلما مرت السنين، فنحن نخاف من الوحدة، نخاف أن نصبح بلا مشاعر، نخاف أن نفقد أنفسنا، حتى وإن أقنعنا أنفسنا بعكس ذلك، فاحتياج الوَنس احتياج أصيل في النفس البشرية، فهو مثله مثل باقي الاحتياجات الأساسية، فحتى إن أصبحت وحيدًا، فأنت تحتاج دومًا من يقول ويؤكد لك، أنك هكذا في حالة أفضل، ففي كل الأحوال أنت تحتاج أحدًا بجانبك.

ونتساءل لماذا كل هؤلاء الأشخاص بينهم روابط، وأشياء تجمعهم، وأشياء يقولونها، وأنت وحيد لا تملك شيئًا لتقوله، ولا يربطك بأحد شيئًا، ولكنك استنفدت طاقتك في المحاولة، ففي كل مرة تفشل؟ فما الذي ينقصك حتى تصبح علاقاتك ناجحة؟

فلا يوجد ثمة علاقة ناجحة؛ فكل العلاقات صراع خفي بالأساس، ولكن هناك علاقة متوازنة، هناك مَنْ يستطيع تحملك، مَنْ يتقبلونا، ولو كنا كومة من الأخطاء القاتلة، مَنْ يستطيع فهم مشاعرك دون أن تتحدث، ودون أن يشتكي مِن عبثيتك في بعض الأحيان، مَنْ تحب أنت المحاولة معه من أجل الاستمرار، فليست كل العلاقات متشابهة، مثلما أصبح يتعامل معها السوشال ميديا، فليست كل العلاقات أحدًا يتعذب، والآخر لا يبالي، ولكن هناك من يستطيع التوصل إلى نقطة تفاهم مشترك، هناك شخص واحد دومًا يقلل ذلك الخواء الذي بداخلنا، والبقية مثل خيالات مآتة لا تمنع عنا مشاعر الوحدة، ولكنها تجعلنا ننساها قليلًا.

فابحث عمَّنْ يشاركك شغفك، عمَّنْ يفهم همك، ويهتم لأبسط تفاصيلك، مَنْ يخلق بهجة لقلبك، مَنْ تمنحه بهجة بالمثل، مَنْ ينظر لك باحترام في جَدك، وتافاهتك حتى أخطائك، مَنْ تقترب له دون مجهود.

ومَنْ يقترب إليك دون حمل، ابحث عن من تكون معه أنت، ويكون معك نفسه، ولا ترضى أن تكون جزءًا يحطمه عدم تفاهم الآخرين، فنصف حب لن يروي عطشك، فأنت تحتاج إلى الفهم لا الونس، تحتاج أن تجد نفسك، وإلى حين تجده ستظل تعيد الكرة من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد