لا أذكر عدد المرات التي أخبرونا وعلمونا فيها بكل الطرق أن كل شيء واقع تحت تأثير قوتنا ومرهون بمحاولاتنا وسعينا، بل تعدى الأمر أحيانا إلى الحد الذي أخبرونا فيه أنه مرهون بأحلام اليقظة وقوانين أسموها قوانين الجذب وقوانين ساذجة حتى لا تراعي التدرج التطوري للتغيير.

تكرر هذا الدرس مرارا حتى صار جزءا من اللاوعي الجمعي لجيل كامل.

وبعد سنوات من المحاولات المضنية ومن السعي الشاق ومن هتافات زلزلزت مدننا وشوارعنا بأن كل شيء سيصير كما نريد، وجدت نفسي محاطة بأكبر قدر من الأكاذيب ومحاطة بعشرات من البائسين.

وغارقة في الخيبات والآمال المقتولة التي لم يتحقق منها شيء، وكل الواقع الذي أصبحت عليه لم يقترب إلا مما رأيته في أسوأ كوابيسي.

خيل إلي ذات مرة ان الميادين التي ضجت ذات يوم بهتافنا تضحك في سخرية منا كل يوم تسير فيها الحياة بطريقة اعتيادية وكأنه لم يحدث شيء قط.

ولولا بقايا بعض الكتابات علي جدرانها التي أصرت على الاحتفاظ بها ليكتمل المشهد بعبثية مضحكة لما صدق أحد أنه مرت من هنا ثورة.

والأعوام التي انقضت ولا أستطيع أن أصدق مرورها قط لأنه كان لدي حسابات حتمية لواقع غير هذا تماما وبإمكاني فعل كل ما أريد فلِمَ لَم أنجح؟

بالطبع لم يكن في وسعي أن أشكك إلا في محاولاتي وسعيي الذي لم يوصلني، فتحول الأمر إلى إحساس بالقهر والذنب.

لم أصدق قط أنه لم يكن في وسعي أن أحقق كل شيء حلمت به.

لم أصدق قط أنني إنسان ضعيف جدا رغم كل شيء.

ثم تلاشى كل هذا تماما لأرى الحياة لأول مرة بجانب قاتم السواد والتي لايمكنني أن أسيطر على أي شيء فيها.

وتحول التفاؤل الساذج لتشاؤم وأفكار عدمية قاتلة، لذا كرهت كل ماهو له علاقه بالبرمجة العصبية والتنمية البشرية ومن يسوقون لنا هذا التفاؤل الساذج جدا بثمن بخس.

ومع تكرار المحاولات لفهم شيء جمع معني في قلبي احتوى كل المتناقضات وتحرر من كل القيود.

وهو أنه لا يمكنني ولا للبشرية جمعاء أن تملك هذا الكون.

وأنه حتى قلبي وعقلي بين جوانحي لايمكن أن يخضع لقوانين الجذب ولا الإرادة بهذه السطحية التي تعلمتها سابقا. وأن هناك خطا فاصلا بين التفاؤل السطحي والتشاؤم وهو (التسليم لله).

أستطيع أن أستقبل به المصائب وأرى المذابح ولا أنكر الألم ولا أهرب من تحمل المسؤولية المنوطة بي قدر وسعي دون هلع وفزع لأن هناك قوة ويد حكيمة تدير المشهد.

وأن هذا الكون خارج عن سيطرة هذا الإنسان المتعجرف الذي لايحاول أن يتذكر أنه في لحظة ما توقفت كل الاتصالات التي صنعها والتي هي ذروة تقدمة العلمي بسبب نجم يبعد عنه ملايين السنين الضوئية. وأنه عاجز حتى عن الحفاظ على مدنه وأرواحه أمام إعصار أو زلزال.

وأن مبدأ الحتمية البائس الذي يحاول عبثا أن يتشبث به ويجعله لايلقى بالا لأي احتمال اخر سوى مايعرف، يجعله في النهاية يتردى لأسفل درجات القنوط واليأس حين يتبخر كل سعيه في لحظة ما وأن عليه أن يتعلم بالطريقة الصعبة أنه ليس له من الأمر شيء رغم كل شيء.

لذا كان قانون الإسلام في المحاسبة هو قانون السعي لا قانون الإنجازات والنتائج. (وأن ليس للإنسان إلا ماسعى).

هذا هو منبع الأمان الوحيد الذي بإمكانه أن يتخطى به الهلع من الفشل.

كما قال عزت بيجوفيتش (كنتيجة لاعتراف الإنسان بعجزه وشعوره بالخطر وعدم الأمن يجد أن التسليم لله في حد ذاته قوة جديدة وطمأنينه وشعور بالأمن لا يمكن تعويضه بشيء آخر.

ولكي ندرك حقيقة العالم يعني أن نستسلم لله وأن لا يحملنا الوهم أن نبدد جهودنا في الإحاطة بكل شيء والتغلب عليه).

فهذا الكون له رب يدبر أمره فمالك أنت؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكون
عرض التعليقات
تحميل المزيد