عشت الحياة الجامعية بكافة تفاصيلها، وكانت أكبر كذبة عشتها في حياتي؛ فلقد دخلتها جاهلًا، وخرجت منها جاهلًا، برخصة «شهادة البكالوريوس»، طبيبًا خالي الوفاض، لا يلم بأبسط قواعد الطب العملية؛ فالجامعات المصرية عندنا ـ يا سادة! ـ فيلم كبير!

فيلم يشدك بأحداثه، حتى تتصور أنك بطله، ثم على صخرة الواقع العملي تستفيق، لتجد نفسك أن ما درسته شيء، والواقع شيء آخر.

ففي الجامعة تغرق في بحار الدراسات الأكاديمية والمناهج النظرية، كتب ومراجع ومحاضرات و«سكاشن»، والدراسة في أغلب الكليات العملية باللغة الإنجليزية، ثم تتخرج بلا فرحة؛ لأن مكان الشهادة الطبيعي على جدران غرفتك، لا أكثر ولا أقل، فإذا كنت من المحظوظين، ووجدت وظيفة أو عملًا، تكون أول كلمة تسمعها من مديرك، أو رئيسك في العمل «انس تمامًا ما تعلمته في الجامعة، والتزم بما يقال لك من تعليمات وتوجيهات».

ربما كل هذا معروف لكل جامعي مصري، لكني أريد أن أغوص في دهاليز الجامعات المصرية، وما يحدث في كواليسها من غرائب وعجائب.

إن الجامعة المصرية يقوم على أمرها أساتذة، من المفترض أنهم علماء يحملون أمانة العلم، ويتسمون بهيبته، لكنهم – في أغلب أحوالهم، إلا من رحم ربي- كهنة للعلم، وسدنة للجامعة، كما كان لفرعون، وسائر الجبابرة، كهنة يطوعون له الدين، ويخدرون له الشعب، ويجنون في المقابل ثروات، ومكانة اجتماعية فريدة.

فأنت بمجرد أن تسمع عبارة «أستاذ جامعي» تتوارد عليك خواطر العلم والعلماء، ودماثة الخلق ورفعة القدر، لكن كل هذا يتلاشى مع أول طرقك لأبواب الجامعات المصرية؛ تكتشف أنك وقعت وسط عصابة، هي جزء من إفشال منظومة التعليم في مصر المحروسة.

تجد غالبًا في الأستاذ الجامعي الفظاظة والتكبر، وتصلب الرأي، وتفرد القرار، وسلطة مطلقة قادرة، حتى على تحديد سعر المذكرة، أو الكتاب الذي يطبعه لتلاميذه. أسعار فلكية لا اعتراض لأحد عليها، وكأن الطالب المسكين وقع بين أنياب وحش كاسر، لا يرحم فقر الأسرة، ولا ضيق ذات يدها.

في نهاية الكتاب الأستاذ المبجل ورقة عليها بيانات اسم الطالب، ورقم الصف، وعند شرائك الكتاب تملأ هذه البيانات، وتفصل الورقة، وتعطيها لمندوب الدكتور، والطالب الذي لم يقدم الورقة هو بالطبع لم يشتر الكتاب، وهو حتمًا من الراسبين في هذه المادة.

أما الكتاب فحدث ولا حرج عن رداءة الورق، وسوء الطباعة، وقلة البضاعة المعرفية، حتى إن هذا الكتاب لو عرض على أي ناشر تجاري، لألقى به في الشارع، وبالطبع كلما زاد عدد الطلاب ـ كما في الكليات الأدبية ـ كلما ازدادت سيادة الكاهن المبجل ثراء وغنى، حتى إن كلية مثل التجارة أو الحقوق المشهورة بكثافة طلابية عالية – أربعة آلاف في الدفعة – يسمونها «أبو ظبي»؛ لأن دخل الأستاذ فيها أحسن من دخل أستاذ يعمل بأبوظبي أو الخليج عمومًا.

أما المكانة العلمية للأساتذة، ففي الحضيض؛ بدليل أن الجامعات المصرية شحيحة في تقديم بحوث أو دراسات ذات قيمة علمية عالمية، وتمتد المأساة، لتصل إلى طلبة الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه، فحدثني أحدهم أن رسالة الدكتوراة كلفته من قوته، وقوت أولاده، أكثر من ثلاثين ألف جنيه هدايا وعطايا، وموائد ونفحات للدكتور المشرف وللجنة المناقشة، هذا بالنسبة للرجال، فما بالك لو الرسالة مقدمة من طالبة، ربما امتد الأمر للتحرش الجنسي، وليس كل ما يعلم يقال، المهم أن المادة العلمية آخر الأولويات. نتفًا من هنا، ومعلومة من هناك، وببركة العم «جوجل» الباحث الشهير تكتب عشرات الرسال الجامعية يوميًا مصيرها أرفف مكتبة الجامعة، وكل هذا المرار ليس من أجل العلم، ولكن لسحر الـ (د)، وجني الأرباح، من مرتبات فلكية، وتأمين صحي مميز، ومؤتمرات ومنتزهات ومصايف.

وما يبعث على الدهشة أن الدولة، لو وقعت في أية أزمة تسمع في الأخبار أنه تم الاستعانة بخبراء أجانب لحلها، وإذا مرض أحد الكبراء أجرى الفحوصات والعمليات في أوروبا أو أمريكا. تتساءل حينها: أين الكوادر الجامعية المتربعة على عرش الجامعات؟ وأين الأساتذة العباقرة المنتفخين تيهًا وكبرًا في قاعات المحاضرات؟

حتى جائزة نوبل العريقة التي تجاوز عمرها قرنًا من الزمان، لم نحصد منها إلا جائزة واحدة – طبعًا في الأدب – للراحل نجيب محفوظ 1988م، وهو ليس أستاذًا جامعيًا، وفي مجال أدبي لا يحتاج لإرهاق المعادلات، ولا ميزانية المختبرات، ولا إنجاز ابتكارات تفيد البشرية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كل هذه الامتيازات للأستاذ الجامعي، وهذه الميزانيات الضخمة المرصودة للأبنية الجامعية، حتى باتت الجامعات المصرية قلاعًا ضخمة خلت من المضمون العلمي.

والإجابة تتلخص يا سادة في أن الدول الرجعية لابد أن يكون لها في الأساس «كيان الدولة». كيان شكلي أكثر منه جوهري.

لابد أن تكون للدولة وزارات، كالثقافة والبحث العلمي والتعليم العالي والتخطيط والتنمية المحلية والشباب والرياضة، رغم أنها لا دور لها يذكر، ورغم أن الشعب في أمس الحاجة لكسرة خبز، قبل الثقافة والرياضة والتنمية المحلية.

لابد أن يكون للدولة أقسام شرطة ومحاكم، رغم أن القسم لا يأتي بحق أحد، والقضايا مكدسة في المحاكم لعشرات السنين.

لابد من وزارة للتربية والتعليم ومدارس وجامعات، رغم أن ربع السكان يعانون من الأمية، والمتعلمون كفروا بالعلم في سوق البطالة، وحظهم من معاناة التعليم «شهادة» لزوم الوضع الأدبي، لا أكثر ولا أقل.

هذا التخريب المتعمد في الدول الرجعية يلزمه إعطاء مميزات خاصة، وسلطات مطلقة للسدنة القائمين على أمور هذه الكيانات؛ لأنهم يخدمون منظومة الفساد، ويمدونها بما يجدد بقاءها وحياتها من قطيع شعبي يسوده الفقر والجهل.

في الدول الرجعية لا تتعجب من أن موظفًا بسيطًا في الخارجية يتقاضى راتب وكيل وزارة في التموين، أو ضابط مخابرات له صلاحيات تفوق صلاحيات محافظ، أو سيدة محامية تعين في المحكمة الدستورية العليا؛ لمجرد أنها صديقة زوجة الرئيس.

ولا غرابة إذن، أن نجد أغلب أساتذة الجامعات واجهة سيئة للعلم والعلماء، وسدنة يسبحون بحمد النظام، ويجنون النذور من البسطاء، بزعم العلم والتعليم.

لا غرابة أننا رغم كل هذا نعيش! لكننا في واقع الأمر نعيش أمواتًا. تلك هي المعادلة المأساوية، التي يراد لنا أن نستهلك العمر في فهمها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد