أصبح إتمام التعليم حتى مرحلة الجامعة أمرًا بديهيًّا، وفي منتاول أغلب الأسر، بل تتكبد الأسر غير القادرة المعاناة بما يفوق إمكانيتها لأجل الشهادة الجامعية، ثم يُلقى بالخريج في سوق العمل؛ فُيصدم بأن سلعة تعليمه وشهادته التي تكبد من أجلها الوقتَ و العمرَ غير رائجة ولا يلتفت إليها أحد. ليصبح الفتى المتكبد مرغمًا على العمل في أي وجهة تفتح له بابها، حتى وإن لم تمت لما تعلمه بصلة.

ينتهي الأمر بهذا الفتى وهو يتأمل البخار المتصاعد من كوب مشروبه الساخن متسائلًا: فيم أمضيت الوقت والعمر، هل الأمر مستحق؟ ولماذا كان من العيب أن ألتحق بالعمل المتاح بدون التعليم الجامعي؟ ثم يعود برأسه للوراء متأملًا أحاديث والده له منذ الصغر.

جدي وأبي وأنا

يذكر الفتى حديث أبيه عن الظروف الثقيلة التي عاش بها، وكيف اكتفى جده بالابتدائية وانطلق سريعًا إلى سوق العمل لحاجته للمال، تكبد الجد الكثير ليلتحق جميع الأبناء، على كثرة عددهم، بالتعليم الجامعي ليُصبحوا جميعًا مفخرة أبيهم في كل حديث؛ لأنهم جامعيون، وأصبح لجيل الجامعيين الأول أمنية أكبر أرادوا بجد تحقيقها في أبنائهم؛ فقد رغبوا بشده أن يكونوا من أولي الحظوة والمجموع الباهر ليلتحقوا بالكليات الطبية أو الهندسية، التي لمعت في أعين هذا الجيل.

حديث التخرج

مر الوقت وجاء الفتى وحمل أمنية أبيه بالنيابة عنه، وذاق الليالي الثقال حتى التحق أخيرًا بالكلية التي طربت آذان أمه وأبيه لسماعها، وأدرك ثقل الحقيقة بعدها أن عليه أن يسهر ليالي أخرى ليكتمل المشوار، بعدما تخرج وجد أن كل الجيل كان يفكر بالطريقة ذاتها، فتحولت واجهات العمارات السكنية إلى غابات من اللوحات الإعلانية للمكاتب والعيادات المختلفة، ولا بأس أن تتجاور لوحتان لطبيبين يحملان التخصص نفسه، فوجد الفتى نفسه تائهًا بين الإعلانات والأسماء الكبرى ومجتمع العمل، الذي لم يرحب به؛ لأنه يحمل لقب مشين اسمه «حديث التخرج».

الفتى وبخار الشاي المتصاعد

بينما يتصاعد بخار الشاي، عاد الفتى بذاكرته ليوم التخرج – الحفل الجميل- الذي سجله عقله بدقة فائقة، بداية من التأنق قبل الذهاب، ثم الحفل وموسيقاه المميزة، الثوب الأسود، الوشاح والخطوات التي تدرب عليها جيدًا. تذكر سروره كما تذكر أرقه ليلتها. كلمة «الأرق» ردت الفتى من ذكرياته، ربما لأنها الوحيدة التي تتشابه مع واقعه الآن.

الآن تتصاعد زفرات غضبه كما يتصاعد بخار الشاي الساخن، وبداخله سؤال واحد: هل أتت الشهادة الجامعية بثمارها؟ يبدو التعليم في الدول التي فشلت في النمو كالبوتقة يحيا بداخلها الطالب معزولًا عن الحياة، إذ أصبحت الكتب والملازم كالجدار الذي يُبنى بينه وبين الواقع، ويزداد ثقله في الجامعة عامًا وراء عام حتى يتخرج المرء فيجد نفسه يُلاقي وجه الحياة للمرة الأولى متسائلاً والغصة تملأ الحلق: ما جدوى التعليم إذا لم يكن يصلني بالحياة؟ ألم يُخلق من أجل الحياة في الأساس؟

إعادة نظر

حتى لا يتكرر مشهد الفتى علينا إعادة النظر في ما اعتدناه. اعتدنا أن نبدأ بسؤال ماذا أحب؟ ولكن أليس من الأفضل أن نضيف إليه ما احتياجات سوق العمل؟ أو هل المجال الذي أود الالتحاق به ستناسبه هذه الدراسة الجامعية؟ أم أن هناك طرقًا أجدى كدورات تدريبية حقيقة يطرحها رواد الأعمال، يصبح لخريجيها الأولوية في مجال العمل.

لتصبح المفارقة أوضح لننظر على سبيل المثال إلى اختصاص تعلم اللغة نجد مفارقات؛ فدراسة اللغة بالجامعة تستهلك أربع سنوات بدون إجادة حقيقية للغة، في الوقت الذي تستغرق فيه مدة لا تزيد على عامين في أحد المراكز اللغوية المعتمدة من قبل السفارات، لماذا لا نستبدل تكدس الجامعات مع جودة تعليمية رديئة بدورات لها وزنها، تصب مباشرة في صالح سوق العمل؟

للفتى أمنية واحدة، أن يُبنى جسر بين التعليم والحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد