الحياة الجامعية، هل هي مرحلة بناء شخصية، أم أنها فقط لتحصيل الشهادة الجامعية؟ بداية سأعرضُ سردًا سريعًا لحياة الطالب العربي كأي فرد يعيش في مجتمع عربي من طفولته، يطمح أن يكون طبيبًا أو مهندسًا حسب الفكرِ السائد في المجتمع، ويدعم هذا الاعتقاد رغبةُ الأهل من خلال زرع فكرة أنّ يكون طبيبًا؛ لأنه سيكون الأفضل ليرفع شأن العائلة بين أقرانهم، وكما هو شائع، فبعض الطلاب يتمسك بالحلم المنشود وبعضهم يتخلى أو لا يكون جديًا في التعامل معه، وفي مرحلة القبول الجامعية ينسى الطالب جميع أحلامه وطموحاته ليبقى الهدف الوحيد أن يدرس في الجامعة، لا يهتم في أي قسم سيدرس أو مصيره بعد التخرج، يفاضل على القسم الذي يكون الحد الأدنى للقبول فيه بما يتناسب مع معدله.

خلال فترة الجامعة يكون التركيز فقط على التخرج من الجامعة لا شيء آخر، وكأنه نسي نفسه أنه فرد من المجتمع، ويمضي حياته على هذا المنوال لفترة التخرج. تحقق الحلم المنشود، حصل الطالب على الشهادة الجامعية، وبدأ السباق الأصعب ضمن مضمار سوق العمل؛ للفوز بفرصة عمل، وهنا تأتي أول صدمة ولم تتحقق آمال الطالب الوردية في الحصول على فرصة كما كان يتصور، تمضي سنة أو سنتان في تطوير مهارات أخرى بتعلم العمل على الحاسب، أو تعلم لغة جديدة، ودورات في برامج العمل المكتبي، بعد عناء طويل يحصل على الوظيفة، وهنا الصدمة الثانية أن ما أفنى فيه أجمل سنين حياته ليتعلمه هو جزء بسيط مما ينتظره في العمل، وتبدأ معاناته مع العمل فترة وليست بالقصيرة.

لا أستطيع إنكار أهمية الشهادة الجامعة في وقتنا الحالي، بل أؤكد على أنها من الدرجات الأولى في سلم النجاح المهني والعلمي، ولكن أود طرح سؤالي: هل كل من حصل على شهادة جامعية دخل سوق العمل من أوسع أبوبه وعمل ضمن مجال دراسته؟ يمكنني أن أجيب على هذا السؤال في شكل تقريبي أن غالبية الشباب العربي يدرس ليحصل على الشهادة، ومن ثم يعمل في مجال آخر، مع العلم أنه يوجد نقص في كفاءة العاملين في المجالات الحيوية «الطب والتعليم والهندسة» لعدة أسباب، منها المحسوبية والواسطة في التوظيف؛ حيث أمسى الحصول على فرصة عمل تخصصية حلم الشباب العربي.

أخيرًا ما يمكنني قوله هو تأكيد أهمية تعلم المهارات الأخرى التي يكتسبها الشباب من أعمال تطوعية أو من زمالة تدريبة، أو من خلال ورش عمل تفاعلية أو حضور دورات تدريبية إضافة إلى قراءة الكتب، كل هذه النشاطات الاجتماعية والعملية تساهم في بناء الشخصية من خلال خوض التجربة العملية مع الدراسة النظرية فهي ترسخ المعلومات في فكر الطالب، إضافة إلى ذلك العمل على تغير مفاهيم التعليم الأكاديمي القديمة؛ فاليوم لم نعد نتعلم لنحفظ المعلومات الموجودة في الكتب اليوم نتعلم لنعرف كيف نصل للمعلومات ونستخدمها بالشكل الصحيح، ثورة المعلوماتية غيرت مفاهيم التعليم الأكاديمي القديمة، ومن العار أن نبقى ندرس كما درس آباؤنا قبل 30 عامًا.

الشرخ الذي يتصدع عامًا بعد عام بين سوق العمل والمناهج الأكاديمية التي تدرس في جامعتنا العربية، بسبب الفجوة الكبيرة بين الثورة التقنية في عالم الأعمال والصناعة والمناهج الأكاديمية وطرائق تدريسها في الجامعات العربية، والثقافة التي يحملها الأكاديميون وكأنها كتاب منزل لا يقبل به تعديل أو نقد، ويرفض أي تحديث للمنهج الذي درسه خلال دراسته الجامعية.

اليوم نحن في عام 2017 ولو عدنا 10 أعوام مضت؛ أي 2007، ما كنا لنرى هذه التقنيات في عالم الهندسة والطب، مثلاً لدينا الطابعة ثلاثية الأبعاد، نعم ما يمكن أن أتركه نتيجة لمقالي هذا أن على أصحاب القرار في التعليم العالي أن يرجعوا كبرياءهم الضائع بين نقرات لوحة مفاتيحي، وأن يتقبلوا نقدي الموضوعي المبني على واقع منطقي يُحاكي لغة الواحد/ صفر، على أصحاب القرار أن يتقبلوا فكرة أن ليس عليهم جعل نظام التعليم العالي كما كان منذ زمان أيام دراستهم الجامعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد