كثيرًا ما كنت أفكر في ترك حبري يسيل على الورق ليعبر عن موضوع الجامعة الجزائرية، وربما ما شجعني للكتابة عنها –أخيرًا- هو لقطة حدثت لي لحظات قبل أن أتخذ القرار وأشرع في الكتابة، وهو أنني اتجهت للمكتبة الرئيسية للجامعة بغية إنجاز عمل مهم، لكنني استغربت من رد حارس المكتبة ورفض طلبي بفحوى أن المكتبة لا موظفين بها وهذا بعد مرور قرابة الأسبوع عن التاريخ المفترض لافتتاحها رغم أن الأصل يتمثل في أن المكتبة الرئيسية للجامعة لا توصد أبوابها على مدار السنة.

إن الجامعة الجزائرية لا تزال تعاني في صمت، ونحن في نهاية السنة وعلى مشارف عام جديد، وما زالت أبواب المكتبات والمرافق الهامة في هذا الصرح العلمي، الذي يعد مخزنًا لإطارات الوطن والدولة في المستقبل القريب موصدة في وجه أبنائها، ولا يزال الطلبة يعانون في صمت رهيب. إن البعض قد يرجع هاته المسألة إلى سوء التسيير رغم توفر الإمكانيات الجبارة ورغم الآمال المعلقة، فإنني أنوه إلى أن الطلبة هم وقود الجامعة، وأساس للبحث العلمي، فما الفائدة من افتتاح جامعة من دون طلبة؟

إن أي شاب اجتاز مرحلة التعليم الثانوي بسلام يرسم بذهنه آمالا وأحلامًا تقوده إلى حد الهيام ربما في مسألة البحث العلمي، فيتخيل نفسه ينطلق من جامعة محلية إلى عالم العلم فيخال نفسه أستاذًا محاضرًا في كبرى جامعة العالم كمعهد المساشيستس وجامعة أكسفورد وعلى الأقل السوربون وما جاورها وطاف في فلكها، بل ويحلم بأن يشرف بلده ووطنه الأم الجزائر، ولكن بعد فترة لا تتعدى الأربعة أشهر حتى يصدم بالواقع فيرى أنه لم يتحصل على شهادة من مرحلة سابقة إلا ليدخل حربًا ضروسًا مع إدارة الجامعة ثم بعض أساتذتها فبعض الطلبة الذين يندسون بغية إثارة عالم الفشل، فتختلط فلسفة الفهم عند هذا الفتى اليافع ويقلب سفيرا على عفير وينزف لبه من شدة الصدمة فتنقلب أفكاره من طامح مجاهد إلى قناص علامات فيلهث وراء الأستاذ والعميد لا بغية في الاستزادة لكن بغية الربع نقطة ونقطة بغية إنقاذ عامه الدراسي من الضياع، بعض التنظيمات الطلابية المنحرفة والمتحكم فيها، كذلك لها حقها الوافر من هذا الطالب الذي تراه فريسة لها وترى أنه من حقها النيل منه، فتحاصره وتغريه بأنه إن انضم لها فعامه مضمون كما يقال له، فيسيل لعاب الطفل فيوافق طمعا، فهو المحول إلى آلي لا يجيد سوى النسخ واللصق، فلا يحاول تكوين نفسه ولا صقل مواهبه بعد أن صار في حالة يرثى لها، جراء الاعتداءات الصارخة ضد عقله.

الإشكالية لم تقف عند هذا الحد بل إنها عبارة عن جدلية مركبة من ثنائية (الطالب/إدارة الجامعة). هنا يبرز أعضاء الإدارة من إداريين وأساتذة بل حتى حراس، فرغم أنهم في معظم الحالات هم وحدهم أصحاب الحل والعقد، إلا أنهم يتملصون من هاته المسئولية تملصًا تامًا، بل وينكرونها، فسيادتهم، يلقون باللوم على الطلبة الذين بين أيديهم بل يصل الحال بالبعض لنعتهم بأنهم لا يصلحون للدراسة، وإن غابت هاته الحجة يتحججون بتقصير من سبقهم في التعليم الأساسي ويتغنون بأنهم ذوو مستوى رفيع بل ترى بعضهم يتبختر عند دخوله المدرج، فهم يعتقدون أنهم في كوكب والطلبة في كوكب آخر ولكن هاته المغالطة التي أعتبرها جزءًا من الكبر أخطر ما يمكن أن يحصل على مستوى التعليم العالي فهم تناسوا أنهم وطلبتهم في سفينة واحدة إذا نجت نجوا جميعًا وإن هلكوا هلكوا جميعًا.

إن هاته الجدلية التي نتناولها هنا، حلها الطالب المستعد والموظف المجد، فإن زال أحد الحلين انتفى حلها كله. أعتقد أنه على الطلبة العمل والمثابرة بجدية أكبر، وأن على الإداريين والمعلمين تحريك ضمائرهم والعمل بإخلاص من أجل جزائر آمنة مستقرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!