لا زالت الأيام تأتينا بأخبار الأحوال الدالَّة على تَيهِ الأمة؛ في مدار تموج فيه كما يتتايس الماء في محيطه، حتى غدت الصفيحة تيهاء لا تيجانا للجبار للاهتداء بها، حتى تاح التميم في مشيته وتاه الحاذق في مسيرته وعمَّت العماية الإيالة والاقتصاد والدين والعلم.

أما خبر أهل المغرب الأقصى في أمور العلم في زماننا هذا، فيكاد يكون محلا للتوه والتلف والكساد، لما بلغه من دنو المراتب وانحطاط المكاسب وسوء المقاصد. ومن جملة ما عرف به المغرب في سالف الأزمنة أعسانه العلمية، ومنها جامعة القرويين التي بنيت في مستهل الأمر جامعًا لتجوس بعده في فضاء فريع رحب؛ يصنع اليوم الفارق الجلي بين الشعوب في قطبية تنم عن قداسة العلم والمعرفة التي يتدثر ويتدين بها شعوب الشمال التي تبقى الموئل لكل نهضة في التاريخ الحديث.

شكلت جامعة القرويين ميعة دور العلم وباكورة الفكر في أبعاده وأفاقه الرحبة الممتدة؛ في تقاطع علوم الدين بعلوم الدنيا، كما وسمها أهلها حينذاك عام 859 ميلادية، انطلاقًا من فكر أم البنين فاطمة الفهرية، ليستتم المغرب في عهد الأدارسة محكم أمره؛ سياسية ودينًا وعمرانًا فأنارت الجامعة مشكاة العلوم والدين، حتى غدا المغرب مقصدًا للجمع البكباك والحجيج الغفير.

ومن الأعلام والأفاضل الذين تعلموا وجادوا بالقرويين، العلامة عبد الرحمان بن محمد بن خلدون مؤسس علم الاجتماع، وابن الخطيب وابن باجة والفرنسي سلفستر الثاني والحسن بن محمد الوزاني المعروف بليون الإفريقي صاحب مؤلف «وصف إفريقيا».

فالمطلع على ما جاء في الأثر من أخبار العلماء الأطهار المتوشحين بزكاء المناقب والمحامد، يدرك حقيقة الظاهر والباطن، مما بلغه المغرب من علو علم ورفعة شأو وحسن ذكر. فما كان العلم أن يجافي الأخلاق الفاضلة والروح الطاهرة ليرافق البلخ والمجون، وإذا عزمت أمة الحشحشة كان لزامًا تركها للمعاصي وسوء المغازي.

وأما الحال اليوم فإن الجامعة باتت على كلل سوء؛ لما بلغته من انحطاط المنزلة الداعية للبهيتة الموجبة للبهم، والعلة في طائفة تجهل حقيقة المغبة إذا لم تضطلع بإسعاف التعليم الذي لم يتفرط وقته نسبيًا، فالجامعة المغربية أضحت تتذيل التصنيفات العالمية، والعلة في البِرْواز المهيكل للجامعة الذي يعج بنقائص وعيوب يتطارش عنها النواب في مجلس الأمة ونخب الفكر وفضالة اللواص من المجتمع المدني دون تكبد عناء إثارتها ورفع القَتمَة عنها.

إن مسوغات النقص وموجبات الكبو والخور تكمن في بعدين، أحدهما قانوني والآخر أخلاقي.

تشهد الجامعة ممارسات غير قانونية، حيث أضحت المؤهلات والدعامات للقبول بالمسالك العليا هي المال والنفوذ، مما ألحق ضررًا بالغالبية العظمى من الطلبة، أدى بدوره إلى نجاح الملاوص وتراجع السداد المُقتل، مما أقتر الجامعة الهفوات والفطور. فمجرد معرفة شخصية بمنسق الشعبة أو أي أستاذ آخر كفيلة بضمان مقعد في أسلاك الماجستير والدكتوراة. وهذا أمر قد ظهر وتمغظ منذ سنيين خلت دون بروز أية مبادرة إصلاحية حقيقية، وهذا جزء بسيط من فلك الفساد الذي ترزخ تحت ثقله دول العالم الثالث، والذي لا يثير في حد ذاته أي استغراب أو دهشة، بحكم ألفة وأنس شعوبنا مع صنوف الكساد والفساد والإذلال، حتى أضحى الفساد ديانة تقدس وشعائر تؤدى، فيبادر المواطن بتقديم رشوة طواعية إلى موظف في مرفق عام وكلاهما تغمره فرحة التعاون والتعاضد. ويبقى استشراف مستقبل البلدان المتخلفة أمرًا صعبًا لعدم معرفتنا بالمكاتب المجهولة والكتائب المسلحة التي تتحكم فيها من أقطار أخرى، لكن يبقى السبيل الوحيد هو الثورة البناءة التي تضع استراتجية واضحة المعالم لما بعد الهدم، حتى تتخلص من رهط يصف نفسه بالنخبة وهو في حقيقية الأمر طابور خامس.

ويرخي الفساد ضلاله ويمدها إلى فئة ثانية تتعلق بالموظفين الراغبين بمتابعة دراستهم لمواكبة وتجديد وتنويع المعارف والمكاسب، حيث تنعدم المصداقية وتغيب النزاهة في قبول أو رفض طلبهم، في غياب نصوص قانونية اَمرة واضحة لا تترك أي فراغ للتأويل، فالطبيعة لا تقبل الفراغ ومسؤولونا أكثر من الطبيعة، جيث أمكنهم احتلال نقطة فقط حتى يتمددوا لتوسيع قاعدة استفادتهم واستغلالهم لأي مكسب جديد.

ومن تجليات إلزامية ترصين البعد القانوني، وجود تنظيمات وجماعات متعددة المشارب والأيديولوجيات، التي يتراوح دورها ما بين الدفاع عن مصالح الطلبة والتعليم والبلد أحيانًا، كالدور التي اضطلع به الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي تأسس سنة 1955، للدفاع عن استقلال الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وكان له دور كبير في داخل الجزائر وفي المحافل الدولية أيضًا. كما وجه الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا دعوة للتظاهر ضد قرار الحكومة المعلن في نوفمبر 2018 والقاضي برفع رسوم التسجيل في الجامعة بالنسبة للطلبة المقيمين خارج الفضاء الاقتصادي الأوروبي، إلا أن الاتحاد الطلابي ومنظمات أخرى تخشى أن يكون هذا الإجراء مقدمة ليشمل باقي الطلبة. وفي مبادرة أخرى من اتحاد طلبة إسبانيا دعوا فيها باقي المنظمات الطلابية في العالم للوقوف ضد الحرب الإمبريالية ضد العراق. وهي أدوار بطولية مشرفة تنم عن حس إنساني وتنوير ثقافي تبقى معه الملاذ الوحيد للقواعد الطلابية والجماهير الشعبية للدفاع عن مصالحها وانتزاع حقوقها.

وفي جانب آخر، وُجدت تنظيمات تتدثر وتسلك منهجًا دينيًا أو أيديولوجيا يلتزم بالقواعد والمراجع، لكنه في باطن الأمر صنيعة أجهزة الدولة للإجهاز والضغط والكبس على باقي الفصائل التي تتبنى مواقف معارضة، مما يؤدي إلى تحوير دور هذه الأخيرة من تأطير الجماهير الطلابية والذوذ عن مصالحها إلى الانشغال بالاقتتال بين الفصائل مما يدخلها في استنزاف للوقت والجهد والأجندات والعمل. كما تمثل هذه التنظيمات نزلا للطلبة لتحديد توجهاتهم ومواقفهم وتسهيل جمع المعلومات عنهم، كما أن لها أدوارًا أخرى لا تقل أهمية عما تم تسطيره أعلاه. وفي واقع الحال أيضا مارست بعض التنظيمات أعمالا غير قانونية وغير أخلاقية ضاربة العمق التاريخي والإطار الفكري العلمي الذي قام عليه وجود الجامعة في العالم.

وإزاء هذا الأمر كان من الواجب إعادة النظر في النظريات والفلسفة التي أوجدت هذه الفصائل داخل الحرم الجامعي، حيث نرى أنه من الصواب أن تبقى الجامعة خارج أي صراع ديني أو سياسي أو نقابي أو فكري سواء في عمادة الجامعة أو في القواعد الطلابية. وتبقى الحاجة ملحة إلى إيجاد صيغة توافقية للعمل المشترك بين مختلف مكونات الحرم الجامعي كتأسيس برلمان طلابي لتخليق الموفق وتهذيب النفس وتحقيق شروط المواطنة والمدنية.

أما البعد الأخلاقي فتظهر آثار فقدانه في صور مشينة ماجنة، من خلال انتشار تعاطي وتجارة المخدرات وأيضا العلاقات الجنسية لتمتد إلى جعلها تجارة داخل الجامعة، حيث يلعب بعض الطلبة دور الواسطة بين الزبناء -الذين يمكن أن يكونوا من الطلبة- وبين طلاب الجامعة. وما زاد الطين بلَّة، كشْف الستار عن علاقات بين أساتذة جامعيين والطالبات، بغية الحصول على نقاط جيدة أو قبولهم في أسلاك التعليم العالي، حيث عرفت جامعة السلطان مولاي سليمان مؤخرًا فضيحة فحواها أن أستاذًا مارس الجنس مع أزيد من 600 طالبة، وهذا إنجاز أوصي بإدراجه في موسوعة غينيس.

إن مجمل الأمر يعطي انطباعًا سيئًا عن أوج الرداءة والرذيلة والتهتك الذي بلغه مستوى التعليم الجامعي، وجب على الدولة أت تعي حجم مغبته، بالتعريض أو التصريح، فهذه جرائم تمس حرمة وقداسة وشرف الجامعة، وإن كل عوامل انهيار صرحها قد تقافصت وننتظر لحظة سقوط اَخر قلاع التحصين في البلد وهذا ما لا نتمناه، والسلام على من اتبع الهدى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد