مع اقتراب نتائج الثانوية العامة كل عام، تكثر النصائح والتوجيهات والإرشادات لطلبة الثانوية العامة في اختيار التخصصات التي تضمن لهم المستقبل وتناسب سوق العمل أو لضمان فرص في وظائف تدر معاشًا مرتفعًا، ولذلك لا بد لهم من قراءة المستقبل لمعرفة احتياجات المجتمع مع مراعاة الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي لذلك التخصص، فيقول الأب والأم: أريد أن تكون طبيبًا أو مهندسًا أو ما شابه ذلك، مع الابتعاد عن التخصصات التي لا تلقى رواجًا في السوق.

حيث ينصح التربويون خريجي الثانوية العامة باختيار تخصصاتهم الجامعية وفق السوق، وضرورة الابتعاد عن دراسة تخصصات الدراسات الإسلامية، واللغة العربية والتخصصات الإنسانية بشكل عام، مشيرين إلى أن هذه التخصصات لا تلقى أي رواج في سوق العمل، وتصنف أنها أشد الشهادات أو التخصصات غير المتحركة.

ونود التأكيد هنا أننا بحاجة إلى أن يكون من أبنائنا الأطباء والمهندسون البارعون والعلماء في شتى المجالات؛ بل نحن بحاجة إلى علماء في الطاقة والفلك وغيرها من العلوم الأخرى، التي خطَا العالم فيها خطوات كبيرة، بينما تأخرنا نحن، حيث ضجّت البيوت بالخريجين في شتّى التخصصات، فقد تحولت الجامعات إلى مؤسسات ربحية بعيدًا عن التخطيط السليم.

إذن كل نظرات المجتمع والأهل هي نظرات اقتصادية أو اجتماعية بحتة بعيدة عن التخطيط السليم الذي يراعي حاجة المجتمع وإنما يراعي حاجة السوق والدخل المتوقع، مع التأكيد على ضرورة مراعاة ميولهم وتوجهاتهم المستقبلية وقدراتهم التحصيلية عند اختيار الكليات والتخصصات.

لكن الذي يحصل في واقعنا ومجتمعنا كل عام أنه يتم اختيار الطلبة المتفوقين (95% فما فوق) في الثانوية العامة لدراسة الطب، وإن لم يحالفهم الحظ في الطب يذهبون إلى الهندسة أو العلوم، وبذلك يتم توجيه الطاقات العقلية في هذه التخصصات العلمية، وهذا شيء جميل، وكذلك هي رغبة المجتمع والوالدين أن يكون صاحب المعدل العالي في كلية الطب البشري، أما أصحاب المعدلات المنخفضة فيتوجهون – غالبًا – إلى كلية الشريعة، التي لا تشترط لهذه الكلية المعدل المرتفع، ربما رغبة الكليات الشرعية من نشر العلم الشرعي والمساهمة في إيجاد أئمة وخطباء ووعاظ.

لكن هذه مفارقة عجيبة وخطيرة في نفس الوقت، إذ الطاقات والعقول الفذة تتجه إلى الطب والهندسة، والعقول المتوسطة تتجه إلى العلوم الشرعية، فلا نحظى ببروز علماء كبار في الشريعة وتبقى ضعيفة الطاقات وقليلة الإنتاج، فإذا ما حدث أمر معين نتساءل: أين لجنة الإفتاء؟ أين المفتي؟ أين الشيخ؟ فيتجهون إلى إمام المسجد وهو غير مؤهل أصلًا لهذا الأمر.

هذا لا يعني أن كلية الشريعة ليس فيها عقول أو معدلات عليا، لكن الأغلب أنها لا تشترط ذلك، وليست النسبة كبيرة لأصحاب المعدلات المرتفعة، وهذا يدل على خلل في التخطيط الجامعي والتعليمي بشكل عام، إذ لا بد من معالجة هذا الأمر اجتماعيًا من ناحية نظرة المجتمع للشريعة، وجامعيًا من ناحية مفتاح القبول.

فحسب تقرير لوزارة التربية والتعليم العالي في فلسطين (الصادر عام 2015) بأنه التحق ما نسبته 24.4% من الطلاب بالفرع العلمي، بينما يلتحق بفرع العلوم الإنسانية ما نسبته 65.1%، والتحق بالفرع الشرعي بما نسبته 3.97%، ما يهمنا من هذه الإحصائية ليس الفرع الشرعي فحسب؛ وإنما ميول المجتمع واهتماماته، وكذلك الأمر في خريجي الثانوية العامة ونسبة الملتحقين بكلية الشريعة.

إن ما أردت قوله هو: ضرورة الاهتمام بمفتاح القبول في كلية الشريعة، حتى لا نشكو من قلة الفقهاء في العلوم الشرعية، أو لا يصل إليها صاحب الكفاءة العقلية الواعية، هذه دعوة مراجعة لعمداء كلية الشريعة والمتخصصين في التخطيط الجامعي، مع ضرورة الدمج بين العلوم الشرعية والعلوم التجريبية، ليقدم صورة حية لشريعة الإسلام، وهي تجربة فريدة كان رائدها في القرن الماضي الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله -، لقد عقمت الأمة أن تلد مثل هذا الرجل، وهذا دليل على سوء التخطيط الجامعي والتعليمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد