يدخل الأستاذ الجامعي متذمرًا، وعلى وجهه أثر الغضب والامتعاض شاكيًا متبرمًا يتوعد طلابه بالويلات ويوجه إليهم مختلف أنواع العتاب والتهديد، لكن لماذا كل هذه الثورة والغضب؟!

في الواقع هذا الشعور الذي يسيطر عليه يُرجِع سببه لعدم رضاه عن طلابه والحالة المزرية التي وصل إليها الطلاب.

لكن ما يثير العجب أن هذا التقييم قد أسنده على أشياء بعيدة تمام البعد عن كل ما يحدد المستوى الحقيقي لطلابه، قد أغضبه أن طلابه يجلسون بدون ارتداء البالطو، لا يحضرون محاضراته، لا يشترون كتبه، لا يحضرون بالكارنيه.. كلها أشياء ظاهرية تعكس حالة من البيروقراطية التي تسيطر على الجامعات الآن.

وكأن هذا هو المرجع الأساسي لنجاح الطلبة، ومن يقصّر عن ذلك فهو – على حد تعببره – (ميعرفش مصلحته). وليبرهن ذلك يوجه للطلبة سؤالًا: (لو كان أبوك طبطب عليك في الثانوية كنت هتدخل طب؟). فيفاجئه أحد الطلبة، ويجيب بالإثبات ليفسد عليه بقية حديثه.

لكي تحصل على رضاه، لابد أن تُطيعه، وتلتزم بمنهجه والأسلوب الذي تربى عليه، ولو كان على حساب مصلحتك الحقيقية، هو يريدك أن تحضر محاضراته حتى إن لم تكن تستفد منها، وتشتري كتبه حتى وإن لم تجد فيها السبيل للفهم والإدراك، المهم أن يرى إقبالًا على محاضراته وكتبه لكي يرضى عنك!

الغريب أنه لم يفكر لماذا لا يحضر هؤلاء الطلاب المحاضرات، ولا يشترون كتبه، فكانت علته ومبرره لذلك أنهم (ما يعرفوش مصلحتهم).

لم يفكر في أسلوب الشرح الذي ينتهجه أساتذة الجامعة، ولا الطريقة التي يتم بها توصيل المعلومة في المحاضرة، فوجد الطلاب غايتهم في الكورسات والاعتماد على الإنترنت، وعلى الرغم من أننا في القرن الواحد والعشرين وأصبحت التكنولوجيا هي عنوان العصر والسمة الأبرز له، وعلى رأسها الإنترنت، وقد قلب حياتنا رأسًا على عقب، وأصبح المعين الأول للانسان في كافة المجالات، حتي في الجانب التعليمي، فقد أصبحت وجهة العالم حاليًا نحو الاهتمام بالتعليم الذي يعتمد أكثر على استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في خدمة العملية التعليمية، وأصبح لدينا الكثير من المنصات التعليمية المنتشرة بشكل واسع حتى في عالمنا العربي، ولعل منصتي (رواق) و(إدراك) أبرزهما.

إلا أنه ما زال بعض من أساتذة الجامعات ينكرون ذلك أو يحاولون تجاهله، مازالوا يفكرون بنفس أسلوب العقود الماضية قبل أن تجد التكنولوجيا طريقها للنور، مازالوا يعتقدون أن التعليم الجامعي يعتمد على المحاضرات ودكاترة الجامعات كما كان الحال عندما كان طالبًا، فكانت الجامعة المصدر الوحيد لتلقي المعلومة، أما الآن فقد تغير الوضع تمامًا، وأصبحت وسائل المعرفة منتشرة على مواقع الإنترنت إلى جانب اليوتيوب، وأصبحت أعرق جامعات العالم تُتيح منهاجها لطلاب العالم من كل حدب وصوب على الإنترنت إلا أنهم مازالو ينكرون هذا التغيير، ويريدون أن تسير أجيال المستقبل كما سارت أجيالهم، لكن هيهات.

وبالحديث نفسه عن الكتب يباشر إليهم نفس الاتهام دون أن يراجع كتبه، ويجدد من طريقة العرض، ويوفر لهم فيها ما يدفعهم لشراء المذكرات الخارجية أو اقتناء أي كُتب أخرى، أم أصبحت هذه الكتب بالنسبة لبعضهم وسيلة للتربح كل ما يشغلهم في الأمر ما سيجنون من ورائها من نقود فقط، دون الالتفات لما تحتويه؟

فاعتماد الطالب على أنجع الوسائل المناسبة له إن كانت بعيدة عن حضور المحاضرات، وشراء كتبهم، فلا يوجد تفسير لذلك عند هؤلاء سوى أنه لا يعرف مصلحته ويسير في الطريق الخاطئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد