“عارف ليه مش فارقة معاك .. علشان بنتك لسه معاك”

يارا طارق الطالبة بالجامعة الالمانية قُتلت دهسا بعجلات إحدى الحافلات التابعة للجامعة التي يدفع أولياء الأمور بها عشرات الآلاف سنويا لضمان حياة أفضل لأبنائهم.

اختار زملاء يارا هتافهم – السابق ذكره – وقرروا توجيهه للكل، قبل أن يبدأوا فى اعتصامهم السلمي وإضرابهم عن دخول الامتحانات لحين تحقيق مطالبهم التي تتعلق بإصلاح المنظومة كي لا تتكرر الفاجعة مرة أخرى.
..

طلبة مهذبون وسلميون للغاية لم يعتدوا على بشر ولا حجر ولكن رئيس الجامعة قرر بعدها بأيام أن يستجيب لهم بأن يوجه سائق سيارته بغلظة “دوسه .. دوسه” حينما تجمع عدد من الطلبة حول سيارته دون أن يمسوها.
-2-

“افتح بنموت”
هتاف شهداء وايت نايتس الخالد يتكرر من أصدقائهم الذين حاولوا التظاهر في بعض جامعات مصر .. بعدها بلحظات يتم القبض عليهم جميعا فيتكرر الهتاف مرة أخرى وتستمر الحياة في جامعات مصر فى هدوء، ولكن الوضع في الفيوم كان مختلفًا.

لم يستطع أفراد الأمن الإدارى التابع للجامعة من التصدي للطلاب الغاضبين فقرر الاستعانة بالداخلية التي اقتحمت قواتها أسوار الجامعة ثم ألقت القبض على ما يزيد عن خمسين طالبًا .. كالعادة بشكل عشوائي .. كالعادة من داخل مدرجاتهم ومعاملهم.

قرر الطلاب بعدها أن يفرضوا هدوءًا من نوع آخر .. فدعوا لإضراب عام عن الدراسة فلم تجد إدارة الجامعه من تديرهم ولم يجد الأمن من يمارس سخافته اليومية عليه وبعدها بأيام قليلة يتنازل من في قلبه مرض عن سخفه ويقرر أن يُخلى سبيل الطلاب المقبوض عليهم.
..
قصة قصيرة جميلة .. قد يعكرها قليلًا بعض التفاصيل الصغيرة المعتادة مثل أن تتأخر الداخلية عمدًا وكالمعتاد في تنفيذ قرار الإخلاء – حتى موعد كتابة هذا المقال – .
..
-3-

“إن طلاب مصر هم مستقبل هذا الوطن .. فحافظوا عليه حتى لا يقع فريسة الانخلاع من المجتمع إلى التطرف”
قرر الممثلون المنتخبون لاتحادات طلاب جامعات مصر أن تكون الجملة السابقة ختامًا دائما لبياناتهم التي توالت لرفض إلغاء انتخابات الطلاب التي لم تتم منذ مارس 2013.

ولكن يبدو أن الشغل الشاغل لمن بيده الأمر ليس طلاب مصر ولا شبابها فلم يلتق وزير التعليم العالي الحالي مع الاتحادات الطلابية ولا مرة منذ بداية العام الدراسي وحتى اليوم.
على جانب آخر فالوزارة تحاول جاهدةً زرع طلاب ذوي علاقة طيبة معها وسط المجتمعات الجامعية لحث الطلاب دائما على بث روح “الوطنية ” .. الاسم الآخر “للنفاق العام” هذه الأيام.

..

الدولة تنظر للطلاب بتصنيفات شديدة النمطية

أ– مجموعة المغيبين والخونة والمخربين وأنصار جماعة الإخوان المسلمين
ويضم هذا التصنيف كل من يفكر ويصدح بأفكار تطلب التغيير أو تشكو من سوء الوضع الحالي، كل من هتف يومًا في أي تظاهرة بغض النظر عن سببها وأهدافها، كل من يتنفس بصوت عالٍ .. ولا ينفي معارضتك لنظام الإخوان المسلمين أو اختلافك فكريًا معهم أو حتى كونك شيوعيا ملحدا أن يروك منتميا لهذا التصنيف.
ب– مجموعة الطلاب الوطنيين

ويضم هذا التصنيف مجموعة الطلاب الذين يمكن السيطرة عليهم كما يمكن التعويل عليهم في إيصال رسائل التطمين للكل أن الطلاب والشباب “الجميل” لايزال معنا، يمكن تجنيد هؤلاء الطلاب عن طريق رحلة أو معسكر مجاني أو بعض الأموال، ويمكن التخلص منهم بسهولة أيضا عند الحاجة، هم مجموعه من المناديل الورقية التي يمكن إعادة تدويرها في كافة المشاريع “الوطنية” في المرحلة المقبلة.
ج– مجموعة الطلاب الُسذج

من لا يتحركون ولا ينطقون، من يقضون أيامهم في الجامعات بحثا عن التعليم والزواج، من لا يتذمرون حتى لو زادت أسعار الكتب التي تجبرهم الإدارة على شرائها ولا يستفيدون منها شيئا سوى ورقة يُتم مكافأتهم عليها بخمس درجات.
من قد يتحركون بإيعاز من المجموعة رقم “أ” ولكنهم أولادنا المغرر بهم .. سنرهبهم ثم سنحضتنهم ثم سيعودوا لصمتهم الطويل .
-4-

“أتريد أن تعلم ماذا نريد؟! ، نريدك أن ترانا .. أن تفتح عينيك وتتوقف عن الهلوسة”

يريد طلاب مصر ألا يتم تصنيفهم بهذا الشكل النمطي المصاب بالعته، يريد طلاب مصر ألا يقضوا السنين التي من المفترض أن تكون أجمل سنين حياتهم في هذا القبح.

..
بالطبع يريد طلاب مصر ألا يموتوا بعد أن ينهوا دراستهم ويلتحقوا لتأدية الخدمة العسكرية إثر عبوة ناسفة أو هجوم مسلح على أحد الأكمنة في سيناء ولكنهم قبل كل هذا لا يريدوا أن يموتوا تحت عجلات إحدى العربات في حادث مروري .. يريد طلاب مصر أن يفتح من بيده الأمر عينه للحظات ويتوقف عن النباح بأننا نحارب الإرهاب ويقرأ بعض الإحصائيات البسيطة التي ستظهر أن عدد من ماتوا فى وطننا الحبيب في العام الماضي إثر حوادث الطرق قد تجاوز 15 ألفاً في حين أن عدد قتلى الإرهاب قد تجاوز الألف بقليل .. !
..
“والله احنا ولاد ناس وعاوزين نتعلم”

بالطبع يريد طلاب مصر أن تسير العملية التعليمية بشكل جيد، ولكنها لا تسير، نحن نقضي نصف يومنا الآخر في تعلم ما تفشل جامعتكم في تعليمنا إياه، نحن في دولة تحتل جامعتها ذيل ترتيب جامعات العالم، بالطبع نريد أن نحافظ على منشآتنا وأساتذتنا ولكننا قبل هذا نريد أن نشعر أنهم فعلا كذلك .. أنهم فعلا لنا.

صديقى طالب هندسة القاهرة أخبرنا أن كارنية كليته أصبح عبئا عليه في الكمائن بعد مقتل محمد رضا وبعد تظاهر زملائه للمطالبة بمحاسبة من قتل زميلهم الذي قُتل بدم بارد ودون سابق إنذار عقب حضوره لإحدى المحاضرات وأثناء توجهه لمحاضرة أخرى.
نحن نريد أن نتعلم ولكننا قبل هذا نريد ألا نموت.
-5-

“أنا طالب مصري، وأريد أن أصل لجامعتي في صباح كل يوم دون أن يتم انتهاك آدميتي في جحيم وسائل المواصلات أو أن يتم قتلي عبر إحداها، أريد ألا أضطر أن أقف في طوابير لا نهاية لها أثناء دخولى للمنشأة التي من المفترض أننا من نمتلكها لأن النظام الامني عاجز عن تنظيم عملية الدخول دون أن ينتهك كرامتي، أريد أن أتلقى تعليمًا جيدًا يرتبط بما يتطلبه سوق العمل الآن فى كوكب الأرض وليس محتوى درسه أساتذتى منذ عقود وتراكم عليه التراب واندثر، وعلى ذكر أساتذتي .. أريد أن يعاملوني بشكل جيد .. أريد أن يتم احترامى فأنا إنسان.

أريد ألا يموت أصدقائي لأن ما يُقدم لهم في المدينة الجامعية من طعام وشراب قد تسمم بفعل الزمن والإهمال. أريد بعضًا من الرعاية الصحية .. قليل منها فقط.

أريد أن أرسم وأغنى وألقي شعرًا .. أريد أن أناقش أفكاري وخيالاتي مع زملائي لنصل يوما ما لسلام اجتماعي إثر اتفاق شباب هذا الجيل على نقاط مشتركة لرؤيتنا للحياة ..
أريد أن أتنفس دون رقابة ودون تهديد بالفصل أو الاعتقال.

أنا طالب مصري .. أريد أن أعيش.
-6-

هل يمكنك أن تساعدنا وتهتف .. من مكانك .. علنا نصل يوما ما إلى “الجامعة بتاعتنا”.
سيكون مكانًا أفضل للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد