قبل أن نلوم هجرة العقول إلى البلدان الأجنبية، نبدأ بفهم الأسباب والدوافع وراء هذا الانسحاب الجماعي، الطالب الجزائري لم يعد يؤمن بالتعليم العالي، فأصبح يغش ويستعمل كل الوسائل للانتقال إلى السنة الموالية، حتى أصبح الأمر سائدًا بين الطلاب فجرب أن تحضر أي امتحان جامعي ولك أن تستمتع بمهرجان «التنقال» الذي فيه كل شيء مباح من كتابة في الطاولات إلى الجدران والقصاصات.
وأيضًا قبل أن نلوم الطالب على هذه الأفعال السيئة التي تنافي طلب العلم وحلاله وقدسيته، نحفر قليلًا في الموضوع فنفهم أن للأستاذ حصة كبيرة في هذه الفوضى، فأغلبهم ينتقم من الطلاب لأسباب يرى أنه مظلوم فيها، فغالبًا ما تجده ليس نزيهًا في إعطاء المعلومات، وغير عادل في إعطاء الحقوق لطلابه، وكثيرًا ما نسمع تمرد الأستاذ في التصحيحات أو نقاط المراقبة المستمرة ليظهر قوته وتغلبه على ضعفه «حسب تصوره».

نكمل الحفر في الموضوع فنفهم أن هناك جهة لها نصيب كبير من اللوم وهي الإدارة، العامل الإداري باختصار هو شخص يحمل كمًّا هائلًا من الملل ممزوجًا بالشكوى والتذمر المستمر، غالبًا هو ذكي في التحايل على أوقات عمله وفنان في الهروب المبكر والدخول المتأخر لأسباب غريبة، عدم النزاهة وأداء الأمانة والمسؤولية أحدث ضررًا كبيرًا وشللًا في النظام الجامعي، وطبعًا لا داعي أن أكمل الحفر فالنهاية هي الحكومة، ونظامها التعليمي عقيم.

حسنًا، بعد كل تحليل نجد أن الأمر مترابط فيما بينه، فكل أحد مسؤول عما يحدث وبعد تشخيص الداء نستطيع تلخيص الدواء في رسائل مبسطة لكل جهة:

إلى الطالب الجامعي (ومنهم أنا): مرتبة طالب العلم عظيمة عند المولى عز وجل، وأوصى حبيبنا صلى الله عليه وسلم على طالب العلم وفخامة شأنه ومهمته، فلا تجعل نفسك عرضة لحديث رسول الله :«من غشنا فليس منا» ولا تلق بنفسك في الشبهات، فهل ترضى بعد سنوات أن تطعم أهلك الحرام «تخيل ذلك!»، اجعل صبرك على طلب العلم ثوابًا من الله وكن مخلصًا في ذلك، وإن التوفيق كله منه سبحانه، فحتمًا ستتغير حياتك ويجازيك الله في كل خطوة تخطوها للعلم.

أيها الأستاذ: أعظم الصدقات هي العلم، فهو صدقة جارية لك حتى بعد قرون من مماتك، ولك أن تتصور تنقل المعلومة وأثرها في المتعلم، وفيمن علمه حتى تقوم الساعة، فأجرك كبير فأخلص في الرسالة «كاد المعلم أن يكون رسولًا»، فطالب العلم أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلِ على شفيعنا)، وأداؤك أمانة العلم له أجر كبير، فرفقًا بطالب العلم وأحسن إليه ليحسن إليك من هو أعلى منك، وكن عادلًا بين طلابك لأنك كل تصرف منك سلبي أو إيجابي سيحدث أثرََا ويعطي توابع وردات فعل إلى جهات أخرى سواء جيدة أو سيئة وكلها بداية منك، راجع نفسك وأخلص لله ليوفقك في كل حياتك.

أيها العامل الإداري: لا تنس أن الله يراك ويمتحنك دائمًا، فعدم مراقبتك من الخلق ليس فرصة لتمردك وطغيانك، سبحانه رزقك العمل وفضلك عن كثير ممن يعاني من البطالة ورزقك القوة والعلم على أدائه، فراجع جيدًا ما تفعله وهل حقًّا أخلصت في ذلك تقربًا إلى الله، قبل أن يكون تقربًا لعباده «استعمال المنصب كوساطة»، كن نزيهًا واتق الله فيما أعطاك ليكون حجتك يوم القيامة للجنة.

أيتها الحكومة : «لا أدري هل أنت مذكر أم مؤنث»، على العموم كلنا يعلم ريادة البلدان وتطورها يكمن في الاستثمار في طلاب العلم الذين سيبنون المستقبل، تراجع الجامعات الجزائرية والهجرة الجماعية من الطلاب أمر يدعو إلى الحزن والخذلان، وكثيرًا ما نجد جزائريين يرفعون بعلمهم وعملهم بلدان متطورة باختراعاتهم وتميزهم، هم لديهم كل الحق في فعل ذلك لأن بلاده لم تحترمه، ولم توفر له الجو العلمي لتفجير إبداعه، فمنطقي أنه يلجأ لبلد اَخر يحترم عقله.

كلنا مسؤول عما يحدث ومهمتنا واضحة، كن نزيهًا وأخلص في مهمتك سواء في طلب علم أو العمل، العقول الطموحة لا تنتهي ومتواجدة دائما وأبدًا، ورقي الجامعة الجزائرية ليس حلمًا مستحيلًا يبدأ تحقيقه بصلاح كل فرد بداية من الحكومة إلى الطالب، فإذا صلح العلم صلح البلد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جامعة, طالب, فساد
عرض التعليقات
تحميل المزيد