خلق الله تعالى هذا الكون ووضع له موازين تضمن له الثبات والاستقرار، فخلق الجبال لتحفظ اتزان الأرض، وخلق ميزان العدل حتى يحفظ للبشر حقوقهم ويحقق المساواة في ما بينهم، وحيثما وجد العدل وجد معه الأمن والاستقرار، وحيثما وجد الجور وجد معه الاختلال والاضطراب، ويقول الدكتور زكي نجيب محمود – أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء – إن هناك قيمًا تدور عليها حياة الإنسان دوران الرحى حول قطبها، وعنها تتفرع معان يضحي الإنسان بنفسه ولا يضحي بها، وحتى إذا رأيته يظهر ما ينقضها، وجدته في حقيقة أمره يبطن غير ما يظهر، ومن هذه القيم “العدل”.

والمجتمع الذي يلتزم بالعدل ولا يحيد عنه تحت أي ظروف حتمًا سيسوده الأمن والاستقرار وسينعم الناس برغد العيش، وهذا يفسر على نحو جلي السر وراء استقرار ورفاهية المجتمعات الغربية، التي تعد عصية على أية هزات أو اضطرابات بفضل العدالة التي تسودها، بينما تهتز المجتمعات العربية – في مجملها – لمجرد وقوع احتجاجات عمالية أو تظاهرات طلابية أو حزبية نظرًا للاختلال الحاصل في ميزان العدل.

ومما لا شك فيه أن هذا الاختلال كان سببًا رئيسيًا ودافعًا قويًا للاحتجاجات والمظاهرات العارمة التي انطلقت شرارتها في تونس في أواخر عام 2010 ثم امتدت لعدد من الدول العربية في ما أطلق عليه لاحقًا “ثورات الربيع العربي”، إذ أن شعار العدالة كان أحد أهم الشعارات التي رفعها الثوار آنذاك.

فالدولة التي تحفظ للشعب حقوقه وحريته، وتحترم عقله وتصون كرامته، وتحافظ على الوعي العام، وتلتزم بأقصى درجات المصارحة والمكاشفة والشفافية، وترفع من شأن علمائها وخبرائها وتحمي شبابها وفتياتها، ولا تجعل وظائفها الدبلوماسية أو القضائية أو العسكرية أو الشرطية مقصورة على “علية القوم”؛ لهي دولة عادلة تمامًا وحتمًا سيُكتب لها الأمن والاستقرار.

أما الدولة التي تسمح لأجهزتها المختلفة بانتهاك حقوق شعبها، وإهانة كرامته، واعتقال شبابها وإخفائهم قسريًا، بل وتهجيرهم إلى خارج الوطن، وتسمح للأجهزة الإعلامية العامة والخاصة بممارسة أسوأ وأبشع أنواع الكذب والتضليل والاستخفاف؛ لهي دولة ظالمة وهالِكة لا محالة.

والدولة التي لا تكُف بتاتًا عن ملاحقة الجماعات والأحزاب المعارضة والنشطاء السياسيين والنيل منهم وتشويههم بكل ما أوتيت من قوة وأذرع، بل ووصمهم بالعمالة والخيانة والتخابر والتآمر ضد الوطن، بينما هي في حقيقة الأمر مرتمية في أحضان ألد أعداء الوطن؛ لهي دولة ظالمة وهالِكة لا محالة.

والدولة التي تصر على بيع الوهم لمواطنيها عن طريق الادعاء بتحقيق فتح طبي كبير لعلاج أمراض وفيروسات خطيرة لم تنجح أكثر الدول تقدمًا على مستوى العالم في التوصل لعلاج فعال لها حتى الآن، بينما يفترش آلاف المرضى الأرض داخل غرف وعنابر المستشفيات لعدم وجود أسرّة كافية؛ لهي دولة ظالمة وهالِكة لا محالة.

والدولة التي تصدر أحكامًا بالإعدام والسجن المؤبد ضد شباب وفتيات لمجرد رفع شعارات أو رموز معادية أو مجرد الاحتجاج سلميًا أمام إحدى المنشآت العامة، بينما تتصالح مع مسؤولين أمنيين وغير أمنيين سرقوا ونهبوا الملايين من أموال الشعب؛ لهي دولة ظالمة وهالِكة لا محالة.

والدولة التي لا تتوقف عن رفع مرتبات ومكافآت أفراد الأجهزة السيادية بالدولة، وتنفق ببذخ على مواكب كبار المسؤولين، بينما تخفض أو تلغي دعم السلع الأساسية، وتطالب شعبها الفقير أساسًا بربط الأحزمة بحجة ترشيد الإنفاق؛ لهي دولة ظالمة وهالِكة لا محالة.

والدولة التي تغض الطرف عن اعتداء أفراد من الشرطة على أطباء خلال أداء عملهم بالضرب والسحل داخل المستشفى وأمام المرضى – ناهيك عن الاعتداءات شبه اليومية على مواطنين عاديين – بحجة الحفاظ على معنويات أفراد جهاز الشرطة، بينما تحشد كل قواها لاعتقال شاب بتهمة رسوم مسيئة للنظام؛ لهي دولة ظالمة وهالِكة لا محالة.

العدل أساس الملك، ومن يبتغ غير العدل سبيلًا لتوفير الأمن والاستقرار وتحقيق الرفاهية والرخاء فهو واهِم وهو من الفاشلين الخاسرين، ورحم الله الخليفة عمر بن الخطاب الذي حكم فعدل فأمِن فنام، ورحم الله الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي حكم فعدل فامتلأت خزائن بيت المال.

اعدلوا… تأمنوا… تستقروا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد