لقد خلق الله تعالى البشر على الأرض ابتداءً، ليكونوا خليفته في الأرض، فيقول تعالى: «وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِل فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَة»، وورد في تفسير فتح البيان أنه «سمي خليفة لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه».

ويورد كتاب «في ظلال القرآن»: «إذًا فهي المشيئة العليا، تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله – بإذن الله – في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه».

ومن مقتضيات الخلافة، أن يحصل الابتلاء والامتحان والاختبار، للبشر، ليُعرف الصالح من الطالح. يقول تعالى: «ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفُورُ».

إذًا فالهدف الرئيس لخلق الخليفة هو: عبادة الله تعالى، والانصياع له، والاستسلام الكامل لتعليماته، وأوامره، وتطبيقها بشكل كامل. يقول تعالى: «وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ». ومن جملة الابتلاءات التي قدرها الله تعالى على البشر جميعهم – مؤمنهم وكافرهم – إصابتهم بالأوبئة، والأمراض، والكوارث الطبيعية، والمجاعة وغيرها.

وقد تكون هذه عقوبة، وغضب، وسخط من الله تعالى، إذا كثُر الفساد. يقول تعالى: «وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ أَمۡلَیۡتُ لَهَا وَهِیَ ظَالِمَة ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَیَّ ٱلۡمَصِیرُ».

كذلك حينما يخرجون عن طاعة الله، ويعصونه، ويفسقون، ويبطرون، اغترارًا بالنعم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم، فينسون المنعم، ويظنون أنهم هم الذين أوجدوها. كما في قوله تعالى: «وَإِذَاۤ أَرَدۡنَاۤ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡیَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِیهَا فَفَسَقُوا۟ فِیهَا فَحَقَّ عَلَیۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَـٰهَا تَدۡمِیرًا».

وفي هذه الأيام ازداد قتل المسلمين في كل مكان، في ميانمار، وفي الهند، وفي تركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين الشيوعية، وأخيرًا في سوريا، التي تكالب عليها شذاذ الآفاق ومجرميها من كل مكان. فجاء مخلوق (جندي من جنود الله) صغير جدًا جدًا، لا يراه البشر، فأحدث الخوف، والهلع، والرعب، والفزع في الأرض كلها، وأخذ يفتك بهم فتكًا، بدون نار ولا دخان، ويقتلهم بدون رصاص، ولا صواريخ، ولا طائرات، ولا طير أبابيل.

لتتلقفهم الأرض العطشى إلى دمائهم الدنسة، ولتتغذى ديدانها الجوعى من لحومهم العفنة النجسة، كي يتطهر ظهر الأرض من رجسهم ودنسهم، وأجبر كثير من البشر، على الالتزام في بيوتهم مسجونين محبوسين.

عطل مخططات البشر ومشاريعهم التي أمضوا سنوات طويلة يحضرون لها، وصرفوا عليها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، حارمين ثلاثة أرباع سكان الأرض من رغيف الخبز، ومن أبسط مقومات الحياة البشرية، ضاربًا بمصالحهم، وأموالهم عرض الحائط، ومستهزءًا بعقولهم، ومكرهم، وكيدهم، وذكائهم. قال تعالى: «إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ»، «فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ».

يا له من جندي رائع، مقدام، عظيم، وقوي، تفوق قوته قوة عشرات القنابل النووية البشرية، ولا يزال هذا الجندي في البداية، يستعرض جزءًا بسيطًا من قوته، إنه الآن يمزح فقط، ويقوم ببعض التجارب، ويدغدغ عواطف البشر، والقادم أعظم وأخطر.

ولا يستبعد أن يصل العدد التقريبي لضحاياه إلى قرابة المليار إنسان، بإذن الله تعالى. والله أعلم.

«وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَاۤ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِیَ ظَـٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥۤ أَلِیم شَدِیدٌ» [هود ١٠٢] .

«وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ یُؤۡمِنۢ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰۤ» [طه ١٢٧] .

وسيقول عامة الناس.. من أين جئت بهذه الأخبار؟ سيكذبون، ويتشككون، ولا يصدقون! إنه علم الله، يؤتيه من يشاء .

وقراءة دقيقة لسنن الله تعالى في الكون، ومعرفة بتاريخ البشرية، ماذا يصيبها، حينما تضل السبيل.

واستنادًا إلى تحذير سيد البشر صلى الله عليه وسلم للمهاجرين:

«يا مَعْشَرَ المهاجرينَ!

خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ:

لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ؛ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا، ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم،ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا، ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم، وما لم تَحْكُمْ أئمتُهم بكتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم» صحيح .

والجاهلون، سيبقون في سكرتهم، يعمهون !فليبقوا في غفلتهم، يترنحون.. حتى يأتيهم وعد الله !

«وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا یُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ» [الروم ٦] .

«وَلَا یَزَالُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ تُصِیبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِیبا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُخۡلِفُ ٱلۡمِیعَادَ» الرعد 31.

والمدهش الذي يثبت ما قلناه.. أنه:

لا يزال الجندي الذكي المجهول مستمرًا، في تحركاته على سطح الكرة الأرضية!

يخترق كل الحواجز، والأسوار، والحدود، والأبواب!

مستهزئًا بهؤلاء العبيد العبابيد، المهازيل، الذين وضعوها لأمثالهم من العبيد، ليهينوهم، ويذلوهم، ويضيقوا عليهم!

فجاء هذا الجندي الذكي المجهول، يسخر منهم، ويتحداهم، ويتجول كيفما شاء، وفي أي مكان شاء!

بل فرض عليهم الإقامة الجبرية، في بلدانهم، وفي بيوتهم!

وبدأ ينتقي ضحاياه، بعناية بالغة – بقدرة الله وتوجيهه – فصب جام غضبه أولًا، على الشيوعين الملحدين في الصين، فنكل بهم أيما تنكيل، وأذلهم أيما إذلال، انتقامًا، وثأرًا، لعباد الله الصالحين، الذين أذاقوهم صنوف العذاب!

ثم انتقل إلى المجوس الفارسيين، وفي عاصمتهم اللعينة، قم، فكسر شوكتهم، وداس على رؤوسهم، انتقامًا وثأرًا، للشيوخ والنساء والأطفال، الذين قتلوهم شر قتلة، في أرض الشام، ثم أخذ يتجول، وهو يتبختر، ويضحك، من عقول العبابيد اللكع، فجاء إلى بلاد بوذا، المشركين الكافرين، وإلى بلاد العم سام، ولم ينس أن يحط رحاله، في بلاد العربان، ليذيقهم جزءً، مما أذاقوا العرب والمسلمين، الذين عمروا بلادهم، فكان جزاؤهم، جزاء سنمار!

يا لك من جندي مقدام، تسير بأمر الله تعالى، خضوعًا، واستسلامًا، أكثر من العبيد، الذين تنكروا لله تعالى، وظنوا أنهم، قد سيطروا على الأرض، وأنهم ليسوا بحاجة إلى رب الأرض والسماء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد