هناك الكثير من الأشياء التي نفعلها دون النظر في ماهيتها، والكثير من البرامج التي نستخدمها ونتصفحها يوميًّا لمجانيتها، وليس لسهولتها أو لفائدتها. بالإضافة للأعداد الهائلة من الآلات والأجهزة التي نقضي عليها معظم أوقاتنا دون أن ندفع قرشًا واحدًا مقابل ذلك. فنظن أننا فزنا وأننا ولو لوهلة أثمن من مخططات الشركات ونظامها الربحي. لكن يجب عليك أن تدرك أنك تدفع كل ما غلا سعره وسهل تحصيله عندما تتصفح بعض الصفحات أو المواقع. وهنا سنستعرض الطريقة التي يجري بها استخدامك واستنزافك دون أن تدري.

على سبيل المثال استخدامنا لتطبيقات مثل «فيسبوك»، و«تويتر»، و«إنستجرام»، و«جوجل»، و«يوتيوب» وغيرها من البرامج والتطبيقات المجانية، التي نظن أننا أحرزنا هدفًا في التسجيل عليها، لكن المشكلة أننا نحن السلعة الدائمة والمجانية في الوقت نفسه. فوقتك، وبياناتك، وحياتك بما تحوي من أهل، وأصدقاء، وزملاء، ومعارف، وهوايات، وأمنيات، وأعمال، وعناوين وكل شيء بحوزة أصحاب تلك التطبيقات، وأنا وأنت للأسف من أسلمنا لهم رقابنا بالمجان، فهم يعلمون تمام العلم ما يجب أن يعطوا لك من إعلانات، وما تفضل أن تشاهد، وما تحب أن تسمع، لذلك فإن القاعدة الأولى أن تتذكر أنه لا شيء بالمجان إلا ما أعطاك الله؛ لأنه هو القائل في محكم التنزيل«لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا».
وهنا وجب السؤال: إن كان كل شيء بالمجان. فكيف تكسب تلك المواقع والشركات أرباحها؟
سنأخذ «فيسبوك» مثالًا؛ لأنه الشركة التي وصلت أرباحها في العام الماضي إلى مليار دولار، وبلغت عوائده ككل أكثر من 3 مليارات دولار، فكيف لشركة كهذه أن تصل قيمتها السوقية إلى ما يزيد على 100 مليار دولار. وربما لأن صاحبها الملياردير الشاب قد تُوّج كأكثر شخصية مؤثرة في العالم؛ لأنه يملك بين يديه بيانات لأكثر من 900 مليون إنسان، الأمر الذي عجزت عن فعله أمم وقوميات ودول كاملة.

تعمل كيفية الربح من وجودي أنا وأنت وغيرنا من مستخدمي «فيسبوك» من خلال النقر على إعلان، أو صفحة، أو سماع أغنية، أو حتى تصفح بعض الصفحات والخروج منها دون النقر بأي مكان ليتم حساب الدقائق والثوان التي قضيتها بالداخل. ثم يستخدم كل ذلك في الإعلانات الموجهة، والتي قد تسمح لك أحيانًا بألا تكون الزبون الذي يجب استهدافه بالأخص، بل أنت الصحافي المجاني الذي جمع المعلومات، ونشر الصور، وسجل العناوين والأرقام. لتأخذ الشركة كل تلك المعلومات على طبق من ذهب وتسوقه للآخرين بمبالغ طائلة.

ولأن ما يحدث بعد ذلك هو الأهم من إنشاء الشبكة الاجتماعية، التي تتضمن كل شخص جالسته، أو حادثته، أو تصفحت صفحاتهم الشخصية، ومن تقرأ لهم، وكل ما ومن هو في حيز وجودك. ويتم ذلك عن طريق خاصية IP، وتحديد المواقع. ولك أن تتأكد من ذلك عندما تحاول الولوج إلى فيسبوك من مدينة أو دولة غير الدولة المعتادة. أو حتى من جهاز آخر في الغرفة نفسها. فيرسلوز رسالة لك لتأكيد الدخول. وتتلخص خاصية عمل النظام بأن يتم جمع المعلومات عن صفحة الطبخ التي تشاهد فيديوهات عليها، أو صفحة الأفلام الكوميدية، ويجمع كل الأشخاص الذين لديهم الاهتمامات نفسها حول العالم والتعامل معهم كأهداف إعلانية. فعندما يفتح أحدهم دروسًا للطبخ، أو عندما ينزل فيلمًا جديدًا يسوق المنتج عن طريق «فيسبوك» لأنها منصة تعرف من يحتاج دروس الطبخ أكثر ومن يحب الأفلام بصورة أكبر، هذا لأنك مسجل لديهم من محبي فيديوهات الطبخ، وهكذا.

ولأن «فيسبوك» كانت كل إيراداتها تأتي من الإعلانات فقد كان الأمر مخيفًا بعض الشيء؛ لأنها كانت تمثل 98% من الدخل. وهذا عيب كبير في عدم تنوع مصادر الدخل. أما الآن فقد أصبحت الإعلانات تمثل ما نسبته 85% فقط، ووزع الباقي على شيء يعرف بشراء مستويات الألعاب، فمدمنو الألعاب يدفعون الكثير لشراء المستوى المتقدم من اللعبة عن طريق عملة «فسيبوك»، وعن طريق شراء الهدايا وتبادلها بين الأهل والأصدقاء والأحبة. الأمر الذي قد يكلف كل شخص مالًا يزيد على دولار واحد، لكن بالنسبة للشركة فهذا المبلغ الزهيد هو ثروة هائلة. لأنه تخيل لو أن 1% فقط من مستخدمي «فيسبوك» فعلوا هذا الشيء في اليوم نفسه، فإن عائد الشركة في يوم واحد من هذا الشيء فقط سوف يمثل 9 ملايين دولار. لذا فليس بغريب على «فيسبوك» أن تتوقع إيرادات تبلغ 6 مليارات دولار خلال هذا العام.

هذا الأمر يسري على كل المواقع ومنصات التصفح. بل مجرد تشغيلك للموسيقى أو جلوسك مع أحدهم كاف لرسم صورة كافية عن حياتك ودخلك ومستواك الفكري. فالمواقع المجانية ما هي إلا جسر وهمي للعبور إلى المواقع المواقع الحقيقية. لذا أنت السلعة. أو بالأحرى أنا وأنت السلع المجانية ولسنا المستهلكين.
دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد