تلفظ «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)» أنفاسها الأخيرة قبل إعلان الإفلاس. فبينما أكدت الوكالة أنها استطاعت وبشق الأنفس دفع رواتب موظفيها عن شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كتنون الأول)، إلا أنها أعلنت على لسان رئيسها لازاريني أن الوكالة مرّت بأزمة مالية غير مسبوقة. وهي تتطلع لإعادة التعاون مع حكومة بايدن للخروج من هذه الأزمة.

جاءت هذه الأزمة بعد أن قامت إدارة الرئيس ترامب بقطع التمويل عن الوكالة في أواخر أغسطس (آب) من عام 2018. وجاء هذا التحرك بالتنسيق مع إسرائيل لتفكيك الوكالة وتعطيلها. هذه الوكالة التي تقوم بمساعدة أكثر من 6 مليون فلسطيني. وهي الشاهد الحي على مأساة المواطن الفلسطيني منذ عام 1948.

ما يلفت الانتباه في أزمة الأونروا هو التعاون بين إسرائيل والإمارات ضد الوكالة الدولية، حيث ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية بأنّ الإمارات وإسرائيل ينسقان معًا لتفكيك وكالة الأونروا. وتتحجج كل من الإمارات وإسرائيل بأن الأونروا تعمل على إطالة أمد النزاع، وتعرقل عملية السلام، من خلال ترسيخ فكرة أن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين هم لاجئون ويملكون حق العودة. بينما الواقع يتحدث بغير ذلك. ذلك أن للوكالة دور في توفير فرص عمل للفلسطينيين وكسر الحصار على غزة وتأمين برامج غذائية لدعم اللاجئين وفلسطيني الداخل في غزة وغيرها من المدن. ناهيك عن استعدادها الانخراط في عملية التطعيم ضد كورونا إذا ما توافرت اللقاح وتمّ تأمينه.

ويأتي التنسيق الإماراتي – الإسرائيلي لحلّ الوكالة ضمن تنسيق أمني اقتصادي متصاعد للضغط على الفلسطينيين للموافقة على صفقة القرن المذلة. ويبدو أنّ الدور الخبيث الذي تلعبه الإمارات ما هو إلا خطوة ضمن مشوار طويل من التآمر على الشعب الفلسطيني. فالإمارات كانت أولى الدول العربية (في العصر الحديث) التي تدخل في تطبيع للعلاقات بينها وبين إسرائيل. ولكم كذبت الإمارات على الشعوب العربية حين قالت إنها دخلت عملية التطبيع مع العدو الإسرائيلي مقابل أن يوقف الإسرائيليون عمليات الاستيطان في الضفة الغربية!

وها هي الأيام تمضي ويتبين كذب الإماراتيون، فلا إسرائيل كفت عن الاستيطان ولا هي كفت عن قتل الفلسطينيين أو حصارهم في غزة. بل دخلت الإمارات الآن في محور الشرّ ضد مصالح الشعب الفلسطيني وهي تدخل ضمن مؤامرات وتنسق مع العدو للقضاء على وكالة الأونروا وتشديد الخناق على شعب يقول لا للاحتلال.

وبعد عمليات التطبيع التي قادتها الإمارات وانجر خلفها كل من البحرين والسودان والمغرب، ترددت الشكوك بين الشعوب العربية، تُرى هل كل الحكومات خائنة للقضية الفلسطينية؟ وهل كل الحكومات العربية اليوم تدخل في تنسيق مع الاحتلال لممارسة الضغط على الشعب الفلسطيني؟

والجواب بالطبع لا. لن نتحدث هنا عن الموقف السوري، أو الإيراني، أو التركي، أو العراقي، أو اللبناني، أو اليمني، لأننا تحدثنا كثيرًا عنها. بل الحديث اليوم عن بلد المليون شهيد، البلد الذي انتفض ملعبه فرحًا عندما سجلّ الفريق الفلسطيني هدفًا في مرمى بلاده. نتحدث عن الجزائر. فالجزائر وفي ظل الحملة الشعواء للتطبيع مع إسرائيل وقفت موقفًا واضحًا لا لبس فيه. فقدمت النائب في البرلمان الجزائري أميرة سليم اقتراح مشروع قانون يمنع الترويج لإسرائيل عبر وسائل الإعلام والإعلام البديل، مع إدراجه ضمن جريمة التحريض على التطبيع والدعوة اليه. وهذا الموقف يعبر عن وحدة الرؤى بين الشعب الجزائري وحكومته بالنسبة للتطبيع مع إسرائيل. وليس غريبًا على الجزائريين أن يدركوا مطامع إسرائيل في الوطن العربي وبلدانه. ولم يهتم الجزائريون أبدًا لما تحدث به سفير الإمارات عن عدم رغبة شيوخ الإمارات بالقدوم إلى الجزائر للاستجمام. فبلد يتنفس الحرية لا يأبه بهذه التصريحات.

فقد كان على حق رئيس الوزراء الجزائري عبد العزيز جراد عندما حذرّ من أن تطبيع المغرب مع إسرائيل يعني أن تكون إسرائيل على حدود بلاده. كما كان يدرك جيدًا اللعبة السياسية القذرة التي مارسها كل من ترامب ونتنياهو من خلال اعترافهم بالصحراء الغربية كأرض مغربية. وهي كعادة الاحتلال مجرد إثارة الفتنة والتفرقة بين البلاد العربية، وزيادة التوتر بين الجزائر والمغرب.

إن الربط بين موقف بلد المليون شهيد من القضية الفلسطينية وموضوع وكالة الأونروا يأتي من الموقف المتخاذل للإمارات بتآمرها مع إسرائيل للقضاء على وكالة تساعد اللاجئين الفلسطينيين. فشتان بين هذين الموقفين. ولا بد عن التذكير مرة أخرى بأنّه لا يموت حق وراءه مُطالب. وقضية وكالة الأونروا، وقضية الشعب الفلسطيني هما قضيتان توأمتان محقتان فلا بد لله أن ينصرهما على الباطل مهما غالى المتآمرون في مؤامراتهم ومهما بلغ التنسيق بينهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد