بالطبع، لا يمكن تصور أن يقوم أمريكي بإخراج فيلم، تؤسس قصته لنظرة غير معتادة، تجعل الشخص الذي يسمى «إرهابيًا» يتحدث عن مبرراته. فقد عمل الفيلم على تقديم الرواية، كما يحكيها هذا الشخص الإرهابي، وكما يتصورها، ويبرر عنفه فيها.

محاولة غير تقليدية، تسعى لجعلنا نطّلع على الرواية انطلاقًا من ذهنية الشخص الذي يُطلق عليه مصطلح الإرهابي، حتى لا تبقى الرواية المركزية النابعة من الطرف المتغلب دوليًا والذي تجسده الولايات المتحدة كدولة والاستخبارات المركزية الأمريكية كمؤسسة. هي الرواية الوحيدة والأكثر تداولا بين الجمهور. فكلا الطرفين يستعمل العنف، وكلا الطرفين يؤديان إلى سقوط ضحايا مدنيين أبرياء. ولكن لماذا يحدث التركيز على الشخص المسمى إرهابيًا بأنه همجي، بينما الطرف الدولي يبقى، بلباسه الرسمي، شخصا تُبرر جرائمه ضد الإنسانية باسم حماية الأمن القومي والمصالح؟ أعتقد أن الجواب يتمحور حول ما يسمى بإنتاج العلامات.

هذا الفيلم قام بنزع «إنتاج العلامة» من السلطة المركزية المتحكمة في «آلة انتاج العلامات» (الإعلام)، وحاول أن يقدمها في قالب سينمائي، للطرف الآخر حتى يعمل هو الآخر بإنتاج العلامة التي يعتبرها حقيقة ويوزعها بين الجمهور.

إن هذا الفيلم. هو نموذج للإبداع المتحرر من «دراماتيكية البطل الأمريكي الخارق»، إنه تحرير العقل من «دالة خطية» تسعى لمزجه في نظام البعد الواحد، البعد الذي يخنق «الإمكانيات» القابلة للتحقق، كتحرير الإنسان من الاستغلال. ونضع فعله هو وسلوكه في مسار العقلانية، بينما تجعل فعل الآخر وسلوكه في مسار اللاعقلانية.

على كل حال، قام الفيلم بضرب العلامة السائدة في الإعلام والحاملة لمدلول «الإرهابي همجي لا يفكر بمنطقية وعقلانية ولا يملك مشاعر إنسانية»، حيث أظهر الفيلم، أن هذا الشخص لم يقم بتهديد الدولة الأمريكية بالتفجير الإرهابي إلا بناء على مشروع تحرري، يسعى لدفع الولايات الأمريكية لكي تقوم بسحب جيوشها من أفغانستان والعراق وكل المناطق التي تعرف أغلبية مسلمة، وذلك بمبرر عودة الجنود لوطنهم وإلى أسرهم أولا، وثانيا لتحرير البلاد الإسلامية من السيطرة الأمريكية.

وفي الأخير، قام الفيلم، بتوجيه انتباهنا إلى نقطة مهمة، وهي أن الفاقد للإنسانية والعقلانية في كل هذا هو نفسه الطرف المتحكم في إنتاج العلامة، والذي يحاول، باستعمال الإعلام، أن يُظهر نفسه كمنقذ وحامي الأمن القومي الأمريكي، بينما، بالمقابل، يسعى ليقدم الإرهابي كوحش لا بد من قتله. فمن ينتج العلامة هو الذي يقوم برسم «الدالة» للذهنية المستهلكة لها، حتى تتحول العلامة إلى واقع. وهذا ما يسمى في الهيرمونيطيقا (التأويلية) بـ«السيمولاكر».

لقد خرب الفيلم السيمولاكر الذي تنتجه الماكينا الإعلامية العالمية المنزاحة للرواية الأمريكية، وجعل الإرهابي هو الطرف الأكثر اعتدالا وإنسانية، بينما قدم الاستخبارات المركزية الأمريكية كمؤسسة فاقدة لأي حس إنساني. فهي المؤسسة التي استخدمت شخصا مطلوبا للعدالة، لكي يقوم بتعذيب الإرهابي، حتى يصرح بمكان وجود القنبلة، وبعد كل المحاولات العنيفة والوحشية ضده، لم يتمكنوا من نزع الاعتراف منه، رغم التفنن في تعذيبه، وتأكدوا في الأخير من مدى قوته النفسية والروحية؛ التي لن تجدي معها هاته الطرق، لهذا فكروا في طريقة أخرى، وهي تعذيب زوجته أمامه لينزعوا الاعتراف منه، مع أن لا دخل لها في ما يحدث، وبالطبع اضطر الإرهابي للاعتراف بمكان تواجد القنبلة، فقاموا بعدها بقتل زوجته. واعتقدوا أنهم فازوا بالمعركة ضده. لكن لم تكن تلك القنبلة التي أخبرهم بمكانها هي القنبلة الوحيدة، فالإرهابي الذي انتحر في الأخير بعد أن قتل معذبيه، فاز بالمعركة، لأنه كان أذكى منهم وأقوى، فانفجرت القنبلة الثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد