بفضل العلم نقف اليوم أمام سيلٍ من الاكتشافات الحديثة التي اكتسحت جميع المجالات والميادين، فالعلم الحديث قد أصبح كمصباح ينير العقول والأذهان، مثل وميض يدفع من يراه إلى الرغبة في اتباعه ومعرفة مصدره، وكثيرًا ما ننشغل بفكرة تقفز في عقولنا فجأة لنفكر بها وقتًا طويلاً دون الوصول إلى حل جذري يضع حدًّا لها،وأمثلة هذه الأفكار كثيرة مثل: التفكير في الخلق والوجود، من أنا، ولماذا خُلقت، وماذا أفعل في هذا العالم، وإلى أين ستنتهي بي السبل؟

كثير من هذه الخواطر تشغل الفكر فنجد أنفسنا جائعين إلى العلم والمعرفة التي تجيب عن هذه الأسئلة، وقد اخترت هذا الطريق، بداية بالكتب والقراءة والأبحاث العلمية المختلفة حتى وصلت إلى دراسة الطب، وقد كانت هذه هي البداية لذروة التساؤلات. في كل يوم ومع كل معلومة جديدة أعرفها أدرك تمام الإدراك أن صعوبة ما أتعلم وتعسر الدراسة هو دليل قاطع أن خلق الإنسان لم يكن عبثًا، كل شيء دقيق ومعد بدقة متناهية، تلك الدقة التي يعجز عنها أكثر العلماء تعمقًا في العلم،لقد أصبحت أؤمن بأن الحقيقة المطلقة هي أن المرء كلما ازداد في العلم تيقن من حقيقة واحدة وهي «جهله»، وأن العلم لا حد له، فبينما أن أكتب هذه الكلمات يجلس إنسان ما في مكان ما لا يهتم له أحد، فقد لا تعينه الظروف على الوصول إلى الحقيقة، ولكن بداخله شعلة تتقد كلما ازداد شغفه للوصول،هذه الشعلة قد تكون في يوم ما هي السبب الرئيسي في وصوله لحقيقة ما قد عجز عن إدراكها الكثير ممن أتيحت لهم الفرصة أكثر منه.

من خلال الانخراط في الأطالس الطبية والمعلومات الحديثة تسربت إليّ رغبة في الوصول إلى المزيد، رغبة في الغرق في هذا العالم الذي لا حد له، وإن كنا لم نؤتى من العلم إلا قليلاً فذلك لأن العقل البشري قد هيأه الله لفهم حقيقة تكوينه، ليقف الإنسان الضعيف عاجزًا أمام حقيقة واحدة وهي وجود خالق أعظم وأكبر لا مثيل له، قد أعد هذه المعجزة وهي الإنسان. بعد المزيد والمزيد من العلم تأكدت أن الله قد خلقنا أقوى من في الأرض، وقد سخر لنا كل شيء وكثرت النعم من حولنا إلا أن الباحث يعرف جيدًا أن هذا الإنسان على الرغم من قوته ضعيفًا أمام الفيروسات والأمراض، وإن اختلال واحد في نظام الله الذي أبدعه في جسم الإنسان قادر على أن يسبب الكثير من التداعيات المرضية التي قد تنتهي به إلى الموت.

إن تجربة الإيمان مع العلم واليقين تختلف كثيرًا عن تلك التي يعيشها المرء وهو يصدقها بفطرته دون تكلف معاناة البحث والاكتشاف، فكما تعلمنا ونحن صغار أن كل ما يصل إليه المرء بمجهود وتعب لا ينساه أبد الدهر، ويكون أكثر استقرارًا في داخله، وأكثر تملكًا منه بالمقارنة مع الأشياء التي تُهدى إلينا جاهزة، فتلك تضيع سريعًا دون الشعور بها من الأساس، لذلك لا أتعجب من أن الإسلام قد أمر بالتأمل في الخلق والبحث والوصول إلى الأسباب لما في ذلك من آثار تعود على الإنسان الباحث والمتأمل من حوله، هذه الرحلة التي عادةّ ما تنتهي بالوصول إلى الحقيقة التي لا يزعزها شك أو اضطراب مهما كثرت من حوالنا الشكوك والأقوال المزعومة التي لا صحة لها، وعلى الرغم من صعوبة الطريق وتعرجه أرى أنها أكثر الطرق استحقاقًا أن يسلكها الإنسان، ويبذل لأجلها الغالي والنفيس.

لقد ترك لنا الله علامات وآيات تدلنا على الوصول إليه، وهو أعظم وأجل لو تعلمون، لأن هذا طريق إلى الإيمان يصدقه العقل بالفعل، والقلب باليقين. إن العلوم على اختلافها من الطب، والكيمياء، والفيزياء، والأحياء، وعلوم الحيوان والنبات، والجيولوجيا، وعلم الفضاء، وغيرها من الفروع المختلفة تقف جميعها لتشهد على أن الطريق الذي سكله القدماء منذ بداية البحث واكتشاف الحقائق حتى يومنا هذا لم يكن يسيرًا، لم يتوقع أحد الوصول لما نحن عليه اليوم، والفضل يرجع لجهودهم وإرادتهم الصلبة والشغف للوصول والمعرفة، وقبل كل هذا نعمة أن سمح لنا بأن ندرك عظمته في الخلق والكون، وعظيم إبداعه في كل ما يحيط بنا.

إننا إذا قضينا ما تبقى لنا من لحظات في هذه الحياة لنقدم جزيل الشكر لهؤلاء العظماء فلن نعطيهم حقهم علينا، وإنما يجب أن نُكمل الطريق والسعي لاستعادة أمجاد ماضية، وإدراج الهوية العربية في العلوم الحديثة التي هي أساس كل علم، ولنخضع لأمر الله الناس فنصبح خلفاء الله في الأرض، ونرى من قبل خليفة جاهل لا يعرف شيئًا عما حوله، أو يتنحى عن مهمة البحث عن ذاته. إنني لا أجد حرجًا في السؤال الذي سينتهي بي إلى اليقين «ليطمئن قلبي»، فدائمًا وأبدًا سيرتبط العلم والمعرفة بالاطمئان والإيمان والإسلام لحقيقة واحدة لا شك فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد