ننشد ما لا نستحقه في كثير من الأحيان، كم من منادٍ للحرية وهو أول من يحرم ذويه منها، كم من مطالب بالشورى وهو عن نهجها في حياته بعيد، كم داعٍ للتطور وهو يمشي إلى الخلف، كم من مُنظِّر مفكر متحدث لبق لكنه في طريق التنفيذ أعرج، كم من مناهض للطغيان وهو في بيته أو عمله أو كلاهما مستبد، كم من مُدَّعٍ للفهم وهو عن الثوابت أعور. 

إن انتشار أمثال هؤلاء وكثرتهم بين صفوف حاملي راية الإصلاح، ناهيك عن العامة، إن زيادة عددهم يومًا بعد يوم يذكرني دائمًا بأنه «من أعمالكم سُلِّطَ عليكم»، ويفسر مدى التيه الذي نحن فيه، ويبرر تأخر نصر الله على المظلومين والمقهورين فيما أحسب. 

إن قاعدة التغيير الذهبية هي التي علمنا الله إياها في محكم التنزيل في قوله تعالى: «ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» [الأنفال : 53] وفي قوله تعالى؛ «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال» [الرعد : 11] هي سنة إلهية لا تتبدل ولا تتغير، هي قاعدة ثابت لكل من ترنو عيناه إلى إحداث تغيير حقيقي ملموس. 

وبناء على تلك القاعدة، فإن كل ساعٍ للتغيير بينما هو غير قادر على تغيير نفسه، فهو ساعٍ نحو السراب بلا شك، بل وتضحى جهوده جلها هباءً منثورًا طالما تبدأ إرادة التغيير في نفسه أولًا قبل من عداه. ربما لهذا السبب الأساسي لا تؤتي كل تلك الوسائل التربوية أكلها، بداية من النصح والإرشاد، والخطابة والدرس العلمي، وحلقات التربية والتزكية، لن تكون كل تلك الوسائل ذات نفع وصدى إلا أن تكون القدوة العملية للقائمين عليها في الصدارة الأولى. فالمدخن الذي يحذر ابنه من التدخين، والمتبرجة التي تنصح ابنتها بالحشمة، والجاهل الذي يحث غيره على التفوق، والمختلس الذي يعظ زملاءه بالأمانة، والمنافق الذي يحذر رفقاءه من الكذب، والكسول الذي يحبب إلى من حوله النشاط، إن كل هؤلاء وأمثالهم تصنيفًا إنما يحرثون في الماء. 

وما يسري على الأفراد والآحاد، يسري كذلك على المؤسسات والجماعات، فكل مؤسسة وكل جماعة، صغرت أم كبرت، لا بد لها من إصلاح داخلي قبل رغبتها في إصلاح ما ومن حولها، ولا سبيل لتحقيق مطالبها ومساعيها دون أن تمتثل قبل غيرها بما تدعو إليه، فلا يعقل أن تطالب جماعة مثلًا حكومة بتداول سلمي للسلطة بينما منهاجها هي نفسها ألا يترك قائدها وزعيمها الأول مكانه إلا بالموت، ولا يقبل من حركة مثلًا أن تدعو إلى الشفافية بينما بياناتها وتفاصيلها الأساسية أصلًا سرية ومجهولة للخاصة قبل العامة، ولا يقبل من حركة أو حزب أن يدعو غيره إلى امتلاك رؤية واضحة المعالم للنهوض بالبلد وحل مشكلاته في نفس الوقت الذي يفتقر هو إلى برنامج تفصيلي متكامل محدد الخطوات لذلك، ولا يعقل أن ينادي فصيل معين غيره إلى تكاتف الجهود ووحدة الصف وتناسي الخلافات الداخلية في مواجهتهم الظالم المستبد في حين أن هذا الفصيل نفسه منقسم على نفسه ويعاني من مشكلات في توحيد صفوفه ولم شمل أفراده، والأمثلة على هذه التناقضات تحير العقول من كثرة انتشارها واتساع رقعتها ومدى تأثيرها سلبًا على مجتمعاتنا العربية والإسلامية. 

والحل في الآيتين الكريمتين كما قلنا وأكدنا أنهما تمثلان القاعدة الذهبية للتغيير، فإذا ما أراد أحدنا أن يغير كل ما هو سلبي في المجتمع من حوله، فإن عليه أولاِ أن يلتفت إلى نفسه، يبحث عن عيوبه ليصلحها، فتكون بداية موفقة للتغيير، فإن أراد العدل من رؤسائه مثلًا، فليكن عادلًا في نفسه قبلهم، ليعدل مع زوجته وبين أولاده ومع من حوله، ليرد الحقوق إلى أصحابها، ليمنع نفسه من مجرد النظر إلى ما ليس من حقه، ليكون شاهدًا بالحق مهما حصل إن استُدعِيَ للشهادة، وليكن العدل فيه خصلة لا تفارقه، حتى وإن كان خصمه في نظره لا يستحق العدل، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» [المائدة : 8] هذا مثال واحد على الفرد، وغيره كثير طبعا، قِسْ على ذلك العديد من القيم والمبادئ التي يجب على كلِّ منَّا أن يتمتع بها قبل أن يرجوها في غيره. 

كذلك الأمر مع الحركات والجماعات، كلها تسعى إلى التغيير وتطالب به وتدعو إليه ليل نهار، لكنها كثيرًا ما تنسى نفسها وتنشغل عن أن تلحق نفسها بقائمة المدعوين للتغيير، لذا تجدها تبذل من الجهد الكثير، وتحصل من الثمر القليل، وما هذا إلا لأنها خالفت قاعدة التغيير وسُنَّته الأصيلة. ولنضرب لذلك مثالًا واحدًا، وليكن جماعة الإخوان المسلمين. 

تطالب جماعة الإخوان المسلمين دائمًا الحكومات بأن تتيح خيار التداول السلمي للسلطة، لكنها مطالبة أولًا أن تطبق هذا على نفسها بتداول مقنن للمسؤولية، وفي ذلك كلام كثير، 

وهي تطالب دائمًا الحكومات أن تمكن الشباب وأن توسع لهم مكانهم في قيادة الأمة، وهذا ما تفتقده أصلًا بشكل كبير، 

كما تكرر دائمًا الدعوة إلى النهوض بالأمة عبر برامج إصلاحية متكاملة، وهذا ما عجزت عن توفيره حتى الآن، وما برامجها التي قدمتها إلا خطوط عريضة تفتقر إلى آليات محددة للتنفيذ، 

وتدعو كذلك إلى وحدة الصف المجتمعي بكل طوائفه، رغم أنها ما زالت غير قادرة على لم شمل الصف الداخلي، ناهيك عن العجز التام في احتوائها للمخالفين لها رغم اشتراك الجميع في مناهضة الاستبداد، 

ولا تنفك تدعو إلى تجديد الخطاب الديني والسياسي، بينما هي ما زالت عالقة بين براثن خطاب ديني وسياسي ربما كان ملائمًا في زمن ما، لكنه بلا شك غير مقبول اليوم، 

هذا غيض من فيض، إن ذلك مجرد محاولة لضرب أمثلة سريعة، كلها تحتاج إلى تفصيلات، وتحتاج إلى عقول مستنيرة من داخل المؤسسة الإخوانية لدراستها ووضع حلول مناسبة وتوفير بيئة لتنفيذ الإصلاحات المنشودة. 

الشاهد أن التغيير لا يمكن تحقيقه دون تغيير الداعي إليه أولًا، فردًا كان أم جماعة، لا بد لكل داعٍ إلى تغيير أن يبدأ بنفسه، إن أراد أن تكلل جهوده الإصلاحية بنجاح وفلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s