مع اقتراب الانتخابات الرئاسية 2019، ينقسم المجتمع الجزائري إلى ثلاث فئات، فئة متخوفة ممّا سيؤول إليه الوضع إذا خرجت الأمور عن السيطرة في ظلّ حرب العصابات القائمة على السلطة في البلد، والسعي لإقامة جمهورية ثانية بحلِّ جميع المؤسسات والهياكل الدولية وإعادة صياغتها، وفئة ترى فيها فرصة للتغيير وتتطلَّع إلى الأفضل، وفئة فقدت الأمل تماما في عيش حياة كريمة في هذه البلاد، مما دفعها إلى الحرقة (الهجرة غير الشرعية)، أو الاكتفاء بتغييب العقل طول الوقت بالمهلوسات والمواد المخدّرة والمسكّرة بغرض الهرب من الواقع.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو من أين سيأتي التغيير؟

ولو طرحت السؤال على بعض من تلك الفئات لاختلفت الردود بينهم، فهناك من يرى الحل بالانقلاب، وهناك من يرى الحل بالثورة، وهناك من يرى الحل بالانتخابات ونيل الشرعية.. فأين الحل؟

قانون التغيير: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)

لا شك في أن التاريخ يعرض الإجابة بشكل جيد وواضح، حيث إنّ أي حضارة قد قامت على أساس تغيير جذري، فالحضارة كما يقول مالك بن نبي: «لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعة ومنهاجًا، أو هي – على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي». وأنا أتفق معه في هذا الطرح.

1- وسأضرب مثالًا حول قيام الحضارة الإسلامية، فمن المعلوم أن سكان جزيرة العرب قبل نزول القرآن لم يكونوا سوى قوم بدويين يعيشون صحراء مجدبة، حتى إذا ما تجلّى الوحي بغار حراء، ولدت حضارة جديدة، فكأنما ولدتها كلمة (اقرأ) التي أثارت النبي وأثارت معه العالم. فمن تلك اللحظة وثبت القبائل العربية على مسرح التاريخ، حيث ظلّت قرونًا تحمل للعالم حضارة جديدة، وتقوده إلى التمدن والرقي.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الحضارة كانت من صنع أناس بسطاء توجهت أنظارهم في تلك اللحظات إلى ما وراء الحياة العادية، فتجلت لهم آيات في أنفسهم، وتراءت لهم أنوارها في الآفاق. وهكذا أخذت الحضارة الإسلامية تتوسع وتنتشر فوق الأرض بما لديها من مخزون روحي، حتى إذا وهنت فيها قوى الروح، وجدناها تخلد إلى الأرض شيئًا فشيئًا. ومن هنا يمكن أن نستنتج أنه من أسباب انهيار أي حضارة هو بهوت القوة الروحية الدافعة لنهضتها.

والروح هنا لا تعني بالضرورة شيئًا دينيًا دائمًا حيث يقول المفكر (هرمان دي كيسر لنج): «أن الروح ليست ذلك الشيء الذي يدل على منطق، أو عقل، أو مبادئ مجرّدة، وإنما هو بصفة عامة ذلك الشعور القوي في الإنسان، والذي تصدر عنه مخترعاته وتصوراته وتبليغه لرسالته، وقدرته الخفية على إدراك الأشياء».

ويبدو أن هذه الشروط الخُلُقية والعقلية هي نفس ما أشار إليه القرآن من تغيير النفس الذي جعله أساسًا لكل تغيير اجتماعي. وهذا ما لاحظناه مع اليابان وألمانيا وغيرها من الدول العظمى.

2- وكذلك ظاهرة صلاح الدين الأيوبي التي في حقيقتها ليست بطولة فردية خارقة، ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجة مقدَّرة لعوامل التجديد ولجهود مشايخ وعلماء، وهي ثمرة حوالي مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح لأمثال الإمام أبو حامد الغزالي، وعبد القادر الكيلاني وعدي بن مسافر.. وغيرهم، والتي ساهمت في تغيير أنفس جيل النصر. وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور

3- ثم لا ننسى انتصار المماليك على الإعصار التتاري الذي أتى على الأخضر واليابس وذلك لم يكن إلى بتغيير الأنفس، حيث قام الشيخ العز بن عبد السلام كما يذكر التاريخ ببيع الأمراء في السوق، لأنهم عبيد غير معتوقين!، ورفض فرض ضرائب جديدة علي الناس ورأى أن يقدِّم الأمراء ومن بينهم قطز كل ما يملكونه من أموال وذهب وكنوز لبيت مال المسلمين فإذا لم تكف هذه الأموال في الإعداد للمعركة، فرضت حينئذ ضرائب على الناس. وقام سيف الدين قطز بتنفيذ هذا الأمر وكان أول من وضع ذهبه وأمواله في سبيل الله، ومن هنا صار الناس سواسية وتآلفت القلوب وتغيرت الأنفس، فكانت النتيجة الحتمية للمعركة الخالدة، معركة «عين جالوت» التي انتصر فيها المسلمون على التتار انتصارًا عظيمًا

ثم نعود إلى الجزائر، ففي الماضي (أي منذ 1830) كانت البطولات تتمثَّل في جرأة فرد، وفي قوة رجل له أنصار محبون، لا في تكاتف مجتمع كأمثال الأمير عبد القادر والشيخ الحداد، فلم تكن حوادثها فاصلة في التاريخ ومغيرة، بل كانت قصصًا ممتعة، ولم تكن صيحاتها صيحات شعب بأكمله، وإنما كانت مناجاة ضمير لصاحبه وأتباعه، لا يصل صداهُ إلى الضمائر الأخرى، فيوقظها من نومها العميق.

وهكذا كان شأن الجزائر، على الرغم من إسلامها، كانت تدين بالوثنية، فالجاهلية وثنية بالمفهوم القرآني، لأنّها لا تغرس أفكارًا، بل تنصب أصنامًا، حيث كان يذهب الأشخاص الخاملون الفاشلون لالتماس البركات، ولاقتناء الحروز ذات الخوارق والمعجزات من عند الدراويش.

غير أنه ما إن سطع نور الفكرة الإصلاحية التي بدأها الشيخان عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، حتى تحطمت تلك الأوثان، وأنشأت جيلًا جديدًا بنفسٍ جديد، وإيمان متّقد لا يؤمن بالخرافات والأباطيل، حتى تفجرت الثورة المباركة على يد شباب في العشرينات من العمر، وهذا خير شاهد على رجوع الحاسَّة الاجتماعية إلى الجزائر، بمعنى أنها قد عادت إلى الحياة التي يستأنف فيها كل شعب رسالته، ويبدأ تاريخه من جديد.

يجب تخليص الشعب من كونه قابلًا للاستعمار

إذًا، فتغيير النفس هو التغيير الذي هو شرط لكل تحول اجتماعي رشيد. فلا يكفي أن يريد الشعب، بل يجب أن تزول آثار النوم الطويل، كما يقول مالك بن نبي: «إذا كان الوسط نظيفًا حرًا، فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، وإذا الوسط كان متسمًا بالقابلية إلى الاستعمار فلا بد من أن تكون حكومته استعمارية».

فقد توصل إلى نتيجة أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذل الاستعمار، والتي تمكِّن له في أرضها. وهوم ما تدلّ عليه هذه الآيات (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

ولن يأتي التغيير أبدًا كما يتصور البعض بكلماتٍ أدبية أو خطابية أو بصناديق الاقتراع، وإنما بتحوُّل نفسي يصبح معه الفرد شيئًا فشيئًا قادرًا على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديرًا بأن تُحترم كرامته، وحينئذ يرتفع عنه طابع «القابلية للاستعمار»، وبالتالي لن يقبل حكومة استعمارية تنهب ماله، وتمتصُّ دمه، فكأنه بتغيير نفسه قد غير وضع حاكمه تلقائيًّا إلى الوضع الذي يرتضيه.

لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية، بما فيها من قيم الجمال والأخلاق.

ورغم أن كل الدلائل تنذر بالخطر، وتشير إلى مرحلة صعبة، إلا أن التمخّض شيء أساسي للتغيير، وسنتعرَّض لما يهز هذه الأنفس ويغيّرها، حتى تكون جاهزة لاستقبال النَّصر القريب بإذن الله، ولنتفاءل بأننا على أبواب بداية جديدة. ولربما كانت الثورات العربية عبارة عن هزات توقظ العالم العربي من سباته الطويل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد