عجبتُ لأمةٍ تعاني من الأسقام كيف لا تفزع إلى الشفاء، بني وطني أما آذاكم حمل الهوان وقبيح ذكركم بين الأنام؟ الموجوع لا ينام وأراكم تنامون على لظى ملء الجفون، كيف تصبرون؟! إن مكابدة الأيام في إيجاد مصلٍ لأوجاعكم أهون من حياة المرض ومرض الحياة!

إنّ من يذُق العزّ، ويتربع على عرش الكرامة، ويرفل في ثياب العز لا يمكن أن يقبل الذل ويتجرع المهانة.

كنتم سدنة الدنيا وحُمّالِ لوائها في غابر الأيام، يوم حملتم النور الذي أُنزل من السماء فكنتم أنتم آيات الله, فكنتم العقيدة، والعقيدة كانت أنتم. ثم فعلتم ما فعل أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم التوراة والإنجيل؛ فاتخذتم القرآن وراءكم ظهريا كما اتخذوا، وابتعدتم عن المشكاة التي فيها صلاحكم كما ابتعدوا. فكان تيه بني إسرائيل أربعين عامًا، ولكن تيهكم لن يرى الهداية حتى تعودوا إلى مصدر عزتكم!

لماذا عطلتم حواسكم التي خلق الله لكم، فكنتم المراد بقوله (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها).

فكيف تهتدون بعد هذا لقوله (سيروا في الأرض)، فالأعمى لا يبصر، والأصم لا يسمع، ومن فقد ملكة الفكر والعقل أصبح جامدًا مقلّدًا ولا يهتدي سبيلا.

لسان حاله (إنا وجدنا آباءنا على أمّة، وإنا على آثارهم مهتدون).
.(قل سيروا في الأرض)، سَير المتفكرين، المنقبين، الباحثين عن علاقة هذا الإنسان بالكون والحياة
هذه العلاقة مادتها القرآن الذي يربط الإنسان بالكون والحياة، الذي جعلناه وراءنا ظهريًا، فأصبحنا نحيا وكأننا نشاز في بيئتنا، لا ارتباط بيننا وبين عالمنا.

وكيف يغير الله حالنا من الضعف والهوان؟ والله يقول لنا: (إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسهم). ماذا نغيّر، وكيف نغيّر؟ ومتى نغيّر؟!

وهل التغيير إلا خطّة محكمة، وتطبيق جاد، وزمن محدّد، وفريقٌ يعمل لا يكل ولا يمل، يضحي بنفسه وماله ووقته في سبيل دعوته, وليس بفضول ذلك كله كما قال الإمام البنا: “هذا الدين لا ينفع معه فضل مال، ولا فضل جهد، ولا فضل وقت”. فعلينا أن نعطي هذا الدين كل شيء حتى يعطينا بعضه، وإلا ما معنى قول النبي للفاروق عندما قال له أحبك أكثر من أي شيء إلا نفسي فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم : “لا يكتمل إيمانك حتى أكون أحبّ إليك من نفسك”.

ألسنا نشازًا في أوركسترا غاب كل فريقها؟ ومن حضر جسمه غابت روحه!

نقدّس الجماعات أكثر من تقديسنا لديننا، حتى لو هذه الجماعات جرّبت المجرب الذي جاء بالخراب، فكيف يغير الله حالنا من حال إلى حال. إذا كنّا في كل مرّة نجرّب المجرب ولم نتغير، هذا والله الحمق بعينه، على الأفراد تقديم النصح للجماعات والخروج من فكرة “الأبوية”، التي تقضي أن الجماعة الأب والأفراد هم الأبناء الذين وجدوا آباءهم مسلمين، فهم على الفطرة الأبوية وما بين الأبوية والفطرة يحدث كثيرٌ من التغيير دون مراجعة!

آية التغيير قانون إلهي يقضي بأنّ التغيير من الله يجب أن يتبع تغييرًا ما بأنفس الجماعة، والتغيير هو تغيير الجماعات الذين لهم سطوة لتغيير ما بنفوس الأفراد عن طريق مؤسسات ومنظمات، تمارس التخطيط والتنفيذ ووضع الإستراتيجيات قصيرة وطويلة الأجل، وتستشرف المستقبل، وتقيس المخاطر، وتعد النشء والقيادات وتجد لها قدمًا في الإعلام ومعركة الحرب النفسية التي تعادل كل الحروب.

إنّ تغيير ما بالنفس للأقوام يعني الهدم والبناء لكل المفاهيم المشوهّة، والسير في الأرض لمعرفة سنن الله في الأقوام، فلكل قوم تجربة نأخذ منها ما يوافق حالنا، فاليابان وألمانيا بلدان هُدِمتا على رؤوس أهلها، لهما تجربتان توضح كيف غيروا ما بأنفسهم، وكلٌ يؤخذ منه ويرد، والحكمة ضالة المؤمن، مالنا نسبح في بحرٍ لجّي يلقي بنا تارة هنا وتارة هناك، ولا نهتدي سبيلا! فلنعلنها ثورة على الجمود وعلى الموروثات التي لم تغير ما بأنفسنا وأوردتنا موارد الهلاك، لنهدمْ ونبنِ، لنمارس العمل التطوعي أسوة بألمانيا واليابان، ولنأخذ العبرة فقد قيل إن المانيا بعد الحرب طلبت من الشعب أن يعمل ساعتين من أجل ألمانيا، وقد كان حتى عادت ألمانيا في غضون عشرة أعوام إلى سابق عهدها، نحن أحوج ما نكون لهذا المفهوم، وديننا يحفزنا على ذلك، فأين نحن من هؤلاء؟!

إن التشدّق بأننا مسلمون واجترار عظمة الماضي، لن يغير من واقعنا شيئًا ما لم نفعل ما يبرهن على ذلك, وإن التاريخ لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها كما قال مالك بن نبي. وحتى ينظر الله إلينا ويغير حالنا لا بد من تغيير حالنا كجماعات وقيادات تستطيع تغيير هذا الجسم الضخم، لا بالشعارات وإنما ببرامج عملية، مخطط لها، مدروسة، يتم إسقاطها على الواقع والمراجعة بين الحين والآخر؛ لأخذ التغذية الراجعة للتصحيح، لا أن نقبع قرنًا من الزمان في محاولات عبثية نراوح المكان في عالم لا يوجد فيه مكان إلا للأسرع والأقوى.

يحاربنا أعداؤنا بالعلم من خلال مراكز دراسات مزروعة في قلب الوطن العربي بمباركة القيادات السياسية، تعمل هذه المؤسسات بديلاً للاستشراق، حيث تدرُس الجماهير في كل بلد وتوجهاته واهتماماته، وتعمل كأنها مخابرات لبلادها، من خلالها يتم معاكسة الإصلاح السياسي والثقافي، واستطاعت أمريكا بركوب موجة ما يسمى بالربيع العربي من خلال قراءتها لواقعنا، وقد كتب لوبون قديمًا عن “سيكولوجية الجماهير” فأدارت دفة الثورات؛ لتكون طعنة نجلاء في ظهر حركات الإصلاح, ليدب الوهن واليأس في النفوس التي باتت تعتقد أن عملية التغيير الإيجابي شيء من الخيال موجود في القصص والروايات الرومانسية.

على الحركات والجماعات الإسلامية أن تعمل كمؤسسات لها مراكز بحثية ودراسية، تقوم بتأصيل لكل هذه التحديات ووضع الحلول، وعدم إلقاء كل تقصير على المؤامرة الداخلية والخارجية.

كثير من الكتب التي كتبت في التغيير السياسي والثقافي والاجتماعي، ولكنها بقيت ترفًا فكريًا، لم يرق في كثير من الأحيان حتى لتحضير ندوات للعصف الذهني والتأصيل فضلاً عن اتخاذ المخرجات آلية عمل من خلال مؤسسات داعمة ومنفذة ومراجعة للمخرجات.

الجماهير العربية متدينة بطبعها يلهب حماسها الشعارات الرنانة والخطاب الشرعي من الحركات الإسلامية، وهي سيل جارف لو استغل قيادته وغيروا ما بأنفسهم، إلا أن ما بالنفوس مزيج عكر لا يقل تأثيره من الحرب النفسية التي تقودها الإمبريالية العالمية ضد هذه الشعوب، فمعركة النفوس هي الميدان الذي يتنازعه الغرب والحركات الإسلامية، فلمن تكون الغلبة؟!

المعرفة التي توظف من خلال معلومات يتم معالجتها على نار الصبر والكيد هي الميدان الذي ننهزم دائمًا فيه أمام أعدائنا ونسينا أننا أمة اقرأ (القلم)، وهي معركة لا تقل عن معركة السلاح (الحديد)، وهاتان المعركتان حتى ننتصر فيهما، لا بد أن ننتصر في معركة الحريّة (الشورى).
أخيرًا أرى أن الترهّل الذي نعيشه كأفراد في ظل التخلف والتقهقر، يتحمل مسؤوليته قيادات الحراك السياسي والديني، لأن المشهد يصدق واقعه أن هناك كثيرًا من الأفراد يعملون بطاقة أكبر من الجماعة، الأمر الذي يدعو للتساؤل، كيف يمكن تحويل العمل التطوعي في سبيل النهضة إلى عمل مسؤول ومحاسب عليه أفراد وجماعات؟!

الهدف التصويب والتصحيح ومن ثم دفع حركة التغيير الإيجابي إلى الأمام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد