لطالما كانت الكاميرا في العقود الماضية هي التي تخلق البُعد المادي لـلحظة، وتحفظها قبل أن يردمها الزمن في ذاكرة من عاشوها، إلا أنه هناك لحظات غابت عنها الكاميرا ولم تلتقطها، تاركةً وراءها قصصًا قبعت في الذاكرة، ثم بهتت وتلاشت قبل أن تُروى.

مثل هذه اللحظات أحرص على تذكرها من حين لآخر؛ كي لا أنساها، لعلها تكون إلهامًا يشعل الرغبة لالتقاط الصور، كلما خبت تلك الرغبة، سواء كان ذلك بمشاركتها مع أشخاص آخرين، أو تجسيدها في عمل فني آخر كالقصة القصيرة وغيرها.

  ومن هذه اللحظات ما علق في ذاكرتي واستبدت بي رغبة في الكتابة عنها، لما تحمله من مشاعر وقصصٍ كانت ستختزل في صورٍ، لولا غياب الكاميرا عن يدي، أو لعدم امتلاكي الشجاعة الكافية للإقدام على التقاطها، كتلك اللحظة المتعلقة بالوافد الإفريقي بمحطة الوقود.

كانت إحدى المباريات التي تجمع المنتخب المصري مع المنتخب الغاني في تلك الليلة الباردة، وكنت أجلس في ذلك المقهى المجاور لمحطة الوقود، ولأنني لست مولعًا بكرة القدم، انشغلت باختلاس النظر للوجوه المنجذبة نحو الشاشة التي تعرض المباراة، سجل المنتخب المصري أول هدف، وانتفض الجالسون داخل المقهى تفاعلًا مع الهدف، لم يثر الهدف تفاعلي كما أثارهم، وجُلت بنظري في المكان متململًا، ثم لمحته بالخارج يشاهد المباراة من خلف زجاج المقهى، رجلًا بملامح إفريقية وبشرة شمعية سوداء، يشاهد الشاشة المنعكس ضوؤها على وجهه، ويظهر من ملابسه أنه عامل بمحطة الوقود المجاورة للمقهى، وعلى الرغم من جمود ملامحه إلا أنني شعرت باستيائه وقلقه يتقلب داخله.

تَرْكُهُ لمحطة الوقود، ووقوفه خارج المقهى لمشاهدة منتخبه وهو يدافع عن شباكه، لحظة كهذه كنت أريد التقاطها بشدة، لم أصطحب معي كاميرتي حينها لكن كان بإمكاني التقاطها بالهاتف، كانت ستكون صورة تحمل بين تفاصيلها قصة ذات حس تراجيدي، إلا أنني افتقرت وقتها للشجاعة والإقدام؛ حتى لا أكون ذلك المعتوه الذي تخلى عن مشاهدة المباراة وطفق يجوب المقهى من مختلف زواياه لالتقاط صورة.

لحظة أخرى علقت في ذهني، ولم تكن معي الكاميرا لالتقطها… في ذلك اليوم، كانت الغيوم تتلبد في سماءِ نهار كئيب، وكنت أتقلب منزعجًا من الزحام داخل عربة أجرة تنتظر ضوء الإشارة الأخضر للمرور. من بعيد، وبالقرب من عامود الإشارة لاحت امرأة متشحة بالسواد تحمل رضيعها بين يديها، ومن خلفها يتبعها ابنها، تتنقل بين نوافذ العربات باسطةً يدها.

وبينما أتابع حركتها بين العربات، بدأت قطرات المطر الرقيقة بالتساقط على زجاج النافذة، ثم ما لبثت أن تبعتها قطرات أخرى انهمرت واحتشدت على زجاج النوافذ، وبعد أن بلل المطر رداء المرأة، ضمت رضيعها بيديها إلى صدرها لتحميه من المطر، ووطأت قدمها الرصيف لتعبر الشارع، كانت واقفةً تنتظر خلو الشارع من العربات المارة بمحاذاة النافذة التي أراها من خلالها، ثم عبرت الشارع ووقفت محاذاة جدار المبنى المقابل للشارع لتحتمي من المطر مع رضيعها وابنها.

لحظة أخرى غالبًا ما ستصبح قصة جيدة لصورة، لكن فاتتها الكاميرا، وبقيت ملامحها في ذاكرتي، كانت ستلتقط من خلف نافذة عربة تجمعت قطرات المطر عليها، والجو الرمادي الكئيب كان سيضفي شيئًا مميزًا للصورة.

وغيرها من اللحظات التي ربما مرت من جانبي ولم أنتبه لها من الأساس، لكن في النهاية أحاول أن أحتفظ بأية لحظة تمر من أمامي، كي لا ينضب المخزون البصري والإبداعي لدي، فأنا لا أملك الخيال اللازم لتجديد ذلك المخزون، كما أنني أميل للواقعية في الفن، فأنا أؤمن أن الإبداع يكمن في نبش تفاصيل الواقع أكثر من خلقه بين طيات الخيال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد