هنا وما أدراك ما هنا..

هنا مصر أم الدنيا كما يلقبونها، أحب البلاد إلى قلبي، أهوىٰ نيلها وأعشق ترابها وأحزن لحال أهلها وما أصابهم.

هنا حيث كان الصحابي الجليل عمرو بن العاص يقطع الوديان ويمر بالجبال منذ ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعين عام لفتح هذا البلد بعد أن نال الضوء الأخضر من الفاروق عمر خليفة المسلمين والقائم علىٰ أمورهم في هذا الزمان، حاملًا أرواح المسلمين على يديه لأجل رضا الله والجنة وتحقيقًا لجهاد الطلب ذاك الركن الذي غاب عن المسلمين منذ أمد بعيد وإخراجًا للناس من الظلمات إلى النور ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وإكمالًا للرسالة المحمدية التي سعت لإقامة العدل في كل أنحاء الأرض.

هنا حيث كان صلاح الدين الأيوبي يقضي على الدولة الفاطمية وينقي الأزهر من المذهب الشيعي ويجعل منه صرحًا عظيما يحفظ الإسلام ويرد الشبهات، ويجعله كالسيف المسلول الذي يصدع بالحق ويرفعه ويجاهد لأجله، فلم يجرؤ أحد على الفتوىٰ وعلماء الأزهر في المدينة.

وظلت الأمور هكذا لحقبة من الزمان ليست باليسيرة، إلىٰ أن دار الزمان دورته ومضت الأيام كعادتها ولعبت السنن لعبتها فاستدار البدر وأصبح محاقًا ونجحت مؤامرة أبعاد المسلمين عن دينهم وتجريدهم من أسباب قوته إلى حد لم يكن واضعو المؤامرة أنفسهم يتخيلونه.

مع مرور الزمان لم يعد يبقى من تعاليم أصحاب عمرو إلا النذر اليسير، وصارت عرى الإسلام تنقض واحدةً تلو الأخرىٰ، حتى الأزهر نفسه أصبح يغط في سبات عميق ولم يعد يبقىٰ من أزهرنا إلا تاريخًا يروىٰ على سبيل الرثاء لا أكثر.

الغريب أنك إن تحدثت عن ضياع الدين في مصر لخرج عليك أي مسئول وأي واحد ممن ينادوهم بالعلماء ليخبرك أن مصر دولة إسلامية وأن دستورها ينص على ذلك في مادته الثانية التي تقول «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع».

حبر على ورق والمتدبر للواقع المصري يعلم أننا بعيدين كل البعد عن الإسلام وأن الشريعة ليست هي مصدر التشريع كما يزعمون.

ونستعرض نموذجًا واحدًا من نماذج القانون المصرى لنعلم كذب ما يقولون.

اللهُ جل وعلا يقول في قُرآنه العزيز في مطلعِ سورة النور «سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِين».

وفي حديثٍ عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلا مِنْ أَسْلَمْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ‏».

فنفهم من الآية والحديث الأحكام الآتية:

1. الرجل الذي زنى ولم يتزوج أو يسبق له الزواج يعاقب بالجلد مائة جلدة.

2. الرجل الذي زنى وقد تزوج أو سبق له الزواج «كالمطلق» يعاقب بالرجم حتى الموت.

3. الإسلام لم يفرق بين المتزوج وغيره إلا في العقوبة، أما في التسمية فكلاهما «زان».

4. الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة في العقوبة فكلاهما «يرجم ويجلد».

وبما أننا في دولة ينص دستورها كما أسلفنا على أن الإسلام هو مصدر التشريع كان لا بد للقانون أن يأخذ من القرآن مواده وأحكامه فهل حدث هذا؟

نص في المادة 273 من قانون العقوبات المصري على أنه «لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناءً على دعوى زوجها إلا أنه إذا زنى الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته كالمبين في المادة 277 لا تسمع دعواه عليها».

وتنص المادة 274 من قانون العقوبات «المرأه المتزوجة التي يثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين لكن لزوجها أن يقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت».

وتنص المادة 275 عقوبات على أنه «ويعاقب أيضًا الزاني بتلك المرأه بنفس العقوبة».

وتنص المادة 277 عقوبات على أنه «كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر».

ونفهم من هذا القانون الذي يشكل وصمة عار على جبيننا ما يلي:

1. أن المرأة التي زنت لا يحق لأحد مهما كان أن يتقدم بدعوى ضدها لكي تعاقب على زناها إلا زوجها، فإن كان الزوج ديوثًا أو ميتًا فلا يسمع دعوى الآخرين عليها ولتزن كيفما شاءت.

2. أن الزوج إذا تقدم ببلاغ مدعم بالأدلة أن زوجته تزني، فجاءت الزوجة وقالت بالأدلة هو الآخر يزني في منزل الزوجية، القانون لا يسمع لأي من الدعوتين وهو مبدأ يسميه القانونيون المقاصة في العقوبات، كأنه يقول للزوج أنت تزني وللزوجة وأنت الأخرى تزني فهذه بتلك اذهبا وافتحا البيت للدعارة.

3. القانون اشترط لمعاقبة الزوج على الزنا أن يزني في منزل الزوجية فإن زنى خارجه فلا شيء في ذلك.

4. القانون جعل للزوج والزوجة الحق في التنازل عن البلاغ المقدم ضد شريكه وفى هذه الحالة ترفع العقوبة حتى لو صار الحكم نهائيًا، بمعنى أنه إذا زنت المرأة وقدمها زوجها للمحاكمة فحكم عليها بالسجن سنتين ثم طعن على الحكم بالطرق القانونية كالاستشكال والنقض والاستئناف فرفض طعنها وصار الحكم نهائيًا وأودعت المرأة في السجن فجاء الزوج وقال أريد زوجتي، القانون يقول له تفضل زوجتك وكذلك في حال تقدم المرأة بالبلاغ!

5. القانون فرق بين الرجل والمرأة في العقوبة فالزوج إن زنى عوقب بالسجن ستة شهور، بينما المرأة تعاقب بالسجن لمدة سنتين

6. القانون لا يسمي غير المتزوج الزاني بالزاني بل يسميه بأسماء أخرى كأن يقول عنه هتك عرض، أو اغتصاب، أو فعل فاضح علني.

7. أعلم الكثير من أصدقائي يحاكمون بسبب التظاهر في محكمة الجنايات بينما الزنا في القانون جنحة.

8. هناك صورة واضحة يخرج فيها الزاني والزانية من القضية بلا أي عقوبة، هب أن الرجل دخل إلى منزله فوجد زوجته مع رجل آخر في الفراش، فانقض عليهما يريد قتلهما وهنا الإسلام يحييه لأنه رجل غيور على شرفه لكن ما موقف القانون؟

انقض عليهما يريد قتلهما فانقضا هما الآخران عليه فقتلاه

أولًا- براءة من جريمة الزنا لأن الزوج قد مات ولا يوجد أحد يتقدم ببلاغ ضد الزوجة.

ثانيًا- براءة أو السجن لمدة سنة في القتل لأنهما كانا في حالة دفاع شرعي عن النفس ضد رجل يريد قتلهما وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذه هي المواد والنصوص التي تعالج جريمة الزنا وهى بحق تشجع الناس على الزنا وتدعو الناس إلى الفجور والعقوبة تافهةً لا تردع أحدًا.

فأين مبادئ الشريعة وأين الإسلام؟، نحوه جانبًا ونقلوا قانونهم من القانون الفرنسي، وأعجب أليس من العار أن يحكم المسلمين الشرقيين العربيين بهذا القانون؟

أظنكم الآن علمتم على الأقل سببًا واحدًا يجعلنا نثور على تلك الأوضاع، أظنكم الآن علمتم على الأقل سببًا واحدًا يجعل سعي التيار الإسلامي للسلطة أو عمل الآخرين في ميدان الجهاد ما هو إلا فرض عين عليهم لرفع هذا العار وتغيير هذا الواقع المؤسف والإسلامية المزعومة.

هذه واحدة والأسباب كثيرة، أمور تجعل الحليم حيرانًا.

ثم يخرج علينا العلمانيون والليبراليون وغيرهم من دعاة التقدم – كما يزعمون- ليقولوا إن سر تخلفنا هو الإسلام الذي لا يصلح لهذا الزمان، كيف ذلك وقد حصرناه في زوايا المسجد الضيقة وأبعدناه عن الحكم والسياسة وكل مناحي الحياة.

مكنوا الإسلام من حياتكم واستعملوه في شتى تعاملاتكم وأموركم ثم انسبوا له أي فشل بعد هذا وحاشا لله وقتها أن تفشلوا، أما نسب نتيجة معينة لدين غيبناه عن كل الأحداث فهو افتراء عظيم وكذب وتضليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد