وسمت مهنة الصحافة على مر السنين بثلاثة ألقاب، وسمت بالسلطة الرابعة، وصاحبة الجلالة، ومهنة المتاعب، فالصحافة سلطة رابعة في المجتمع بعد السلطات الثلاث (السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية)، السائدة في أي دولة؛ لأنها الصوت القوي الذي يدافع ويمنع ارتكاب المخالفات والتجاوزات، وأحيانًا تعدل القوانين، أو تسن أسسًا جديدة لتنظيم حياة المجتمع، أما لقب «صاحبة الجلالة» فهو الأفضل على الإطلاق؛ لأنه دليل على علو كعب مهنة الصحافة، أما مهنة المتاعب فالاسم واضح من خلال معاناة الصحافيين وتضحياتهم من أجل الخبر، والكشف عن المستور، هذه الألقاب الثلاثة بقدر ما تعد تشريفًا للصحافة، فهي أيضًا تكليف لكل العاملين بها. تكليف بنقل الحقيقة كما هي لا زيادة ولا نقصان بكل شفافية وصدق، وعلى من لا يستطيع الوفاء بالتكليف أن يتنحى جانبًا، ولا يشوه مهنة النبلاء.

لكن مهنة الصحافة أصبحت ينظر إليها على أنها «جريمة منظمة» تتستر على اليد العفنة وتفضح اليد الطاهرة، في مجتمع ينتمي للعالم الثالث، خاضع لنظام أجنبي لا يكل ولا يمل من فرض شروطه لتحقيق مصالحه، كل شيء، وكل قانون يسن نتائجه تعود على صاحبة الجلالة وجنودها، واصفين إياهم بالخونة، هم لا يعلمون أنها مهنة مقيدة بأغلال فوقية، ويعملون في ظروف يملؤها التعسف والاضطهاد، لا يعلمون أن الصحافة تقف على كبت غير معهود لحرية الصحافة، إذ حدوا من جماح ورغبة الجرائد والقنوات التلفزيونية في كشف الخفي والمستور، والواقع المرير الذي لا بد أن تنقله مهنة الصحافة بشفافية حتى تتمكن الدولة من معالجة وحل المشكل بطريقة حضارية، جعلها تتحدث عن أحداث مألوفة لدى الرأي العام، ولا تشكل أي جديد لهم.

الصحافة أصبحت عبارة عن دمية تتحكم فيها السلطة بطريقة غير شرعية، عند الحاجة لها تستنجد بها السلطة لتغطية وإبراز مشروعاتها وسياستها العقيمة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وبالتالي يسخط المواطن على الصحافة التي نقلت الخبر والحدث أولًا، وعلى السلطة ثانيًا ببعض كلمات قليلة، أي إنه مهما تغير المكان والزمان في هذه الدولة العظيمة تبقى الصحافة في خانة الخونة  حسب رأي شعبها، لكنهم لا يعلمون ما تعانيه الصحافة من ضغوط وتجاوزات خطيرة في حق الصحافيين.

هذه الدمية التي حاولت دائمًا أن تكون صوت الشعب وناصره في دولة القانون والديمقراطية في دولة شعارها «كن في صفي أو واجه ويلات عقابي»، هذه الدمية دائمًا ما تريد أن تظهر بثوب التوعية الإعلامية النزيهة، والعمل بصدق ومصداقية لإيصال صوت الشعب المقهور إلى أبعد الحدود وإلى المسؤولين؛ قصد الاستجابة لها وحلها، لكن السلطة دائمًا ما تجهز مكائد وألاعيب خبيثة لإطاحتها في نهر الفضيحة، وإلقاء اللوم عليها.

ما يخشى على مهنة الصحافة أن يسحب منها لقب «صاحبة الجلالة» وتمنح لقب «صاحبة الضلالة»، نكاية فيمن لا يستحقون الانتماء إليها، بالإضافة إلى ما تعانيه من تعتيم إعلامي خطير جعلها توصف بمهنة الخونة، لكن كل هذا بفعل فاعل أراد تشويه مهنة النبلاء ليقضي مصالحه في سهولة وسلاسة كبيرتين، هذا ما يدعو للحزن والأسى؛ لأن الصحافة مهنة نبيلة أولًا، لا يعيبها إلا بعض من يعملون بها، ومهنة خادمة هادفة لصون حقوق المجتمع فهي لا تريد تضييقًا من السلطة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد