التربية الرشيدة للأبناء عملية معقدة جدًا وتحتاج إلى معرفةٍ وخبرةٍ وحذقٍ، وللأسف الواحد منا يكون مستعدًا أن ينجب 10 من الولد دون أن يخطر بباله ما إذا كان في حاجةٍ إلى قراءة كتاب تربوي أو سماع محاضرة تتعلق بفنون التربية وقواعد السلوك أو حتى المبادرة لأخذ استشارةٍ من متخصصٍ تربوي، وبالتالي فإننا نتجرع النتائج المريرة التي تنتهي بانحراف أبنائنا سلوكيًا وعلميًا وفشلهم، وصولًا إلى خراب المجتمع الذي يَحوي هذه الأسرة الخرِبة.

إنّ أفضل وسيلة للتربية هي التي ترتكز على التوازن بين الحرية والضبط بعيدًا عن التعنيف والإهمال والدلال الزائد، فنجاح التربية لا يعني أن تكون خاليةً من الأخطاء، وإنّما أن تُحتوى هذه الأخطاء ويُعمل على حلها، ومجتمعاتنا اليوم تشهد حركة انتقال سريعة من البيئة البسيطة الضيقة إلى البيئات المعقدة الواسعة وما فيها من تطور تكنولوجي وتقني أبرزه نشأة الإنترنت والشبكات المفتوحة التي صحبها الكثير من التغيرات التي تنعكس على الأبناء، في ظل هذه الطفرة التكنولوجية نجد أنّ أطفالنا لديهم إمكانية الاطلاع بسهولة على كثير من الأمور قد يكون منها السلبي والإيجابي الضارّ والنافع الغث والثمين، وبالتالي فإن كل ما يُعرض عليهم أو يتعرضون له يساهم بشكلٍ أو بآخر بتشكيل ثقافتهم ووعيهم، ولذلك أفضل أسلوب هو الذى يعتمد على الحرية المصحوبة بالرقابة الأسرية؛ لأن الحرمان من هذه الوسائل لن يُجدي وسيجعل الطفل بعيدًا عن بيئته ومُنفصمًا عن الزمان الذي يعيش فيه.

ومن أهم الركائز في نجاح العملية التربوية المعلومة الصحيحة، فمثلًا يجب مراعاة كل مرحلة من مراحل تربية الأبناء على حدة، فأول وأهم مرحلة هي اختيار الزوجة الصالحة المتعلمة والقادرة على تحمل المسؤولية إلى جانب زوجها والقادرة على إعطاء الأفضل لأبنائها، وأن يعمل الوالدين على تربية أبنائهم في بيئة يسودها الحب والأمان، ولقد أوضحت دراسة علمية أنّ الأطفال الذين يشترك في تربيتهم الأم والأب معًا يتمتعون بقدرات أفضل في القراءة والكتابة وإجراء العمليات الحسابية إذا ما قُورنوا بالأطفال الذين نشأوا في رعاية الأم وحدها أو الأب وحده بسبب الطلاق أو اليُتم، وفي دراسة أخرى وجدوا أنّ التعنيف الذي يُمارس من الزوج على الزوجة يُنتج مستقبلًا أبناء يُمارسون الاضطهاد والعنف ضد زوجاتهم وأبنائهم، ويجدر الإشارة إلى أنّ الدلال الزائد للابن أو الابنة يُورث الاستهتار في التعامل مع تفاصيل الحياة كافّةً من قبلهم، وخلق حالة من اللامبالاة تنتهي بهذا الابن إلى أب غير مسؤول وإلى هذه الابنة إلى أم مستهترة، وأيضًا التعنيف الزائد يُنتج أبناءً قُساة مشوهين نفسيًا واجتماعيًا لا يُحسنون التعامل لا مع الناس ولا مع زوجاتهم ولا مع أبنائهم في المستقبل.

هناك دراسة مُلفتة أيضًا ترى أن نُكسب أبناءنا الحسّ الجمالي منذ طفولتهم كتعلم الفنون والموسيقى العذبة، لا الأغاني الفاحشة وقراءة الروايات والقصص وممارسة الرياضات المختلفة؛ لأنّ الطفل الذي ينمو على هذا الحسّ الراقي وعلى هذا الذوق الجمالي من الصعب جدًا أن يقارب قبيحة أو معصية، فعندما تنمو فيه الذائقة الجمالية يصبح بطبعه مترفعًا عن القبائح ولا يشتهيها أصلًا، بل يُقبل على الحياة بكل أمل وإبداع.

من ركائز تربيةِ الأبناء أيضًا الحب والاهتمام؛ لأنّ الأبناء بحاجة دومًا إلى الاهتمام والحب، وقد نجد من الآباء أو الأمهات من يتجنب إظهار مشاعرِه لأبنائه فينشأ لديهم نقصٌ عاطفي كبير، ولذا من المهمِ قولُ كلمةِ أحبك لأبنائك يوميًّا واحتضانهم، والاستماع لهم وتخصيص وقت للجلوسِ معهم والتحدّث إليهم ومعهم عن أحلامهم وطموحاتهم وأصدقائهم والأمور التّي تم إنجازُها خلال يومهم، ومن ناحية أخرى يجب وضع بعض القواعد كتنظيمُ وقت الأبناء بتحديد أوقات محددة للنّوم وكذلك للدراسة أو للجلوس على الكمبيوتر وغيرها من الأمور لتدريبهم على النّظام، أيضًا التّحفيز الإيجابي مهم جدًا فيجب تشجيع الأبناء على العمل بطريقةٍ إيجابيةٍ وعدم نقدهم طوالَ الوقت، وتعويدهم على الاعتماد على النفس فلا بد من تركهم لبعض الوقت دون توجيهاتٍ وأوامر ومراقبتهم من بعيدٍ ليختبروا بعض الأمور بأنفسهم ويروا نتيجتها.

رحلة تربية الأبناء على النحو الجيد سوف تبدًا من عندنا حين نقرر أن نربي أنفسنا، فكثير من سلوكيات الأبناء ليست إلا انعكاسًا مباشر من سلوكيات آبائهم، سلبية كانت أم إيجابية، فمن خلال سلوكنا اليومي نرسم مستقبل سلوك أبنائنا، بل إنّ الأمر يتجاوز ذلك أنّنا من خلال بيئة المنزل نصنع الطفل ذاته ونرسم طموحاته وتطلعاته، فنحن كآباء مطالبين بأنّ نوفر بيئة تساعد أطفالنا على الاحتفاظ بأكبر قدر من المعاني الرائعة التي فطرهم الله عليها.

طبيعة الناس في تربية أبنائهم متفاوتة، فهناك من الأبناء تشعر أنّه منحة إلهية وهبة ربّانية بل ويكون عونًا لوالديه في تربية باقي إخوته، ومنهم من يكون عبئًا كبيرًا عليهما وعلى الأسرة كلها، ولهذا لا بد من الإكثار من الدعاء لأبنائنا بالهداية والصلاح بجانب مجاهدة أنفسنا في تربيتهم المستندة على الهدي القرآني النبوي والمعرفة العلمية بحقائق التربية ومراحل النمو حتى يكونوا قرة عينٍ لنا في الدنيا والآخرة، ولنتذكر دائمًا أنّ جهودنا في حماية الأسرة تشكل مساهمة كبيرة في حماية المجتمع وحماية الأمة من التدهور والذبول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, تربية, مجتمع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد