بصفحتي على الأسك استقبل اسئلة تجعلني أنا شخصيا أحيانا أعيد تقيمي لتفكيري بالأمور, ربما لأنه ليس بالأمر اليسير على المرء كتابة إجابة على سؤال أحدهم قد يكون منتظرا منك “قشة النجاة” التي سينقذ بها نفسه من خضم التلاطمات والتفرعات الحياتية، كما أنه من الواجب على المرء أن يرشد الآخرين بخلاصة تجارب حياتية؛ لأن ذلك ربما سيوفر على كثيرين مسافات قد استهلكت عمر ومجهود لكي يصل لقناعة معرفية ونتيجة مرضية! ولعل أكثر نوعية للأسئلة الحياتية التي تأتيني هي عن “الذات”، “العزيمة”، ” التوجه المعرفي” و “التطوير المعرفي”, فوددت إذا أفردت مجملها في مقال خاص ربما قد يشمل اجابات لأسئلة كثيرة اخرى.

فعندما يسألني أحدهم “كيف للمرء أن يطور ويحسّن من نفسه؟”!

وللإجابة على سؤالٍ كهذا, دعونا نقل إننا نعاني، نحن “اقصد العرب”، مشكلة التسويق! فكل شيء في الحياة اخترع له الغرب تسويقا, حتى الدين!

وهذا ليس إعلانا للإتجار بالدين, ولكن التسويق للدين, وهناك اختلاف جذري فخم بين المجالين! كمثال على ذلك حينما تحل زائرا بأي فندق بألمانيا تجد على المنضدة بجانب الفراش نسخا من “الإنجيل” وكتاب تعريفي عن “البوذية”, فما حاجة ديانتين معروفتين لـ “التدليل” لهما بإهداء كتب مجانية في نُزل ربما سيمر عليه المرء لليلة ثم يمضي لحال سبيله؟

وإذا عَلّمت أن تكلفة طباعة هذه الكتيبات هي من نفقات “وقفية” اشتركت فيها مؤسسات وأشخاص ودور عبادة من أجل نشر التوعية بالدين! وهذا ما يسمى بـ “التسويق للدين”, وإذا علمت أيضا أن إدارات تلك الفنادق لا تمانع أبدا بوضع نسخة من القرآن الكريم بجانب الفراش، عندها ستٌدفع حتما للسؤال “أين نحن من التسويق العملي لديننا”! والأمثلة كثيرة غير محصورة, فأقل الطوائف الدينية تجميع التمويلات من الميسورين ودافعي الهبات لعمل طبعات إرشادية للديانة وتنفق كل من الوقت والمجهود لنشرها وإن اضطروا للوقوف لساعات في “المترو” يتلقون النظرات والإهانات كما ذكر أحدهم عن سيدة تقوم بتوزيع نشرات عن “شهود يهوه” أو “Jehovah’s Witnesses” في محطة قطار أرضي بالقاهرة – مصر!

أمثلة التسويق كثيرة ولا تنتهي, وهي تمس الفرد الواحد منا بشكل أساسي, فبعيداً عن مجال الديانات, فأمثلة شخصيات تقنية كـ “ستيف جوبز “”مؤسس شركة Apple” والمدير التنفيذي السابق لها بدأ حياته بفكرة لم تكن فكرته بالأساس، ولكن هو من قام بتسويقها في “معرض متواضع للأجهزة الألكترونية”! كذلك “فيسبوك”, صدق أو لا تصدق!
لم تكن فكرة “مارك زوكربيرج” “المدير التنفيذي لأشهر شركات مواقع التواصل الاجتماعي Facebook” ، بل كانت لإحدى رفاق دراسته بالجامعة وقام زوكربيرج بتروجيها, وخاض الاثنان معركة قضائية شرسة حٌسمت لصالح زوكربيرج الذي أثبت أن فكرة غريمة، لم تكن إلا ستكتش، ليس بها أي “مجهود تطويري”!

 

وكمثال سياسي, فلقد طالعت إحدى الأبحاث الدورية التي حررها مركز أبحاث الجيش الأسرائيلي IDF ، ويذكرون بها قدرات أفراد الجيش الإسرائيلي التدريبية على “اتباع أخلاقيات الحرب والنزاع عند التعامل مع المعتدين من الفلسطينيين أو المحتجزين” , وعليك أن تتصور كم المغالطات التاريخية وقلب الحقائق التي تحويه مثل هذه الأبحاث “رضيت أم شجبت” هي في آخر الأمر ما سيصدقه القاريء العادي في أقصى الأرض؛ لأن الاسرائيليين نجحوا في تسويق “كذبهم”! وبهذا نستخلص, أن من “يسوق” لمهاراته هو من سيكسب المعركة الحتمية لمِا يسمى بالـ “تطوير” !

وعودة للسؤال “تطوير الذات”, فعلى المرء أولا إكتشاف مواطن “القوة” بذاته, حتى لا يغوص عمقاً قد لا يٌحسن سباحته فيتشتت في اختيارات هائلة متفرعة في الحياة من أجل تطوير الذات أو النمو بالذات أو بمعنى أحرى ودقيق جداً “تحقيق الذات” وهذا هو صدقاً غاية ما يبحث المرء عنه وليس أى مسميات اخرى مغلوطة أو متوارية “خجلا”!

فإذا استطاع أحدهم أن يكتشف مواطن قوته, كالكتابة, الرسم, الخطابة, القراءة, البهجة للأخرين, الدراسة, التصميم, البرمجة, التصوير, العمل التطوعي, وإلخ .. سيبدأ بالتفكير العملي لكيفية “التسويق لمهاراته” لأنها النتيجة الحتمية لاكتشاف كهذا, فالإنسان يسعى لدفع نفسه قدماً فيما يعشق أو يُبدع! وعندما يدخل المجال التسويقي “لنقطة قوة الذات” بعد أن يحددها, ساعتها سيكتشف بالمقارنة كم القصور الذي ربما تخلف عنه, ويبدأ في تنمية معرفته لملء هذا النقص المعرفي, بالقراءة, أو الاحتكاك بخبرات سابقة, أو بأسهل الطرق وأكثرها انتشارا “الانترنت”, الذي بالمناسبة قد يعلمك كل شيء بدون معلم بداية من الطبخ إلي كيفية صنع صاروخ أرض-جو “بازوكا – Bazooka” (انظر المرفقات), وما إلي ذلك من طرق تطوير الذات وتحسين الأداء. فقط ضع بحسبانك تفريد المعرفة من أجل تطوير الذات، وليست من أجل صنع المزيد من الأصنام, وما أكثرها!

فالمعرفة كدرجات السُلم لابد للمرء أن يخطوها درجة درجة حتى يصل لمبتغاه, وخلال تلك المراحل قد يتخبط, أو يتوقف, أو يجد من يظنه “مثله الأعلى” , فليس هناك إعفاء من مراحل قد تتكرر من “الإحباط” وهو أمر قد يترك المرء متدحرجاً حتى قاع السًلم!

وهذا المنحني سيأخذنا لمفهوم جديد منشأه “تطوير الذات” وهو “العزيمة للحصول على المعرفة” بحد ذاتها, فمتى كان قرار المرء لتطوير ذاته لا يتناسب مع عزيمته على تنفيذ هذا القرار ساعتها ستكون المحصلة النهائية “صفر” , مثلما ذكر نيتشه ” أنتم، يا محبيْ المعرفة, ماذا فعلتم جرّاء الحبِّ لأجل المعرفةِ حتّى الآن؟”

ولنا في ديننا الإسلامي الحنيف دلائل كثيرة للحث على المعرفة والتعلّم, كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “اطلبوا العِلّم وَلو في الصين”! و حديث آخر له صلوات الله عليه وسلم “اطلبوا العِلّم مِن المهد إلي اللّحد” والتي ربّما أوُردت كأحاديث موضوعة كما ذكر “العجلوني” في “كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس”, إلا أن قوله تعالى في الآية الكريمة “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ” (النحل , 78), والمغزي البلاغي لجمع كلمات “لا تعلمون, السمع, الأبصار, الأفئدة” في آية واحدة تنبهنا لآليات تجميع العِلّم والمعرفة بهما ولو أفردنا القرائن بضرورة تجديد عزيمة السعي وراء الحاجة المعرفية فحتما لن يسع ذلك بِضع سطور.

 

وهنا نصل لتساؤل آخر “كيف للمرء أن يزيد من منسوب عزيمته كلما قصُرت همته أو تراخت؟” وهذا يعيدنا لباديء الأمر بشكل مطلق للمشكلة الرئيسية “لماذا أريد أن أطور ذاتي” ! والإجابة ربما أسهل مما قد يتوقعها الكثيرون, “فالإنسان يطور ذاته لتحصيل نفع حياتي معين”! فطبقاً لتصنيف هرم “ماسلو” لحاجات الإنسان, فإن كل من “الحاجة للمعرفة” و”الحاجة للإحترام” و”تحقيق الذات” تقع كنقاط وصل بين حاجات تمّيز الإنسان عن غيره من باقي المخلوقات وأخري لا تجعله يختلف كثيرا عن باقي تلك المخلوقات كالبحث عن الغذاء والرغبة في ممارسة الجنس والشعور بالأمان! وبالتالي سنجد أن أي عزيمة لعمل ما لابد ان تُربط بالنفع أو النتيجة, التي هي بطريقة أو بأخري نتيجة “تسويق مهارات الذات”! إذن فكل عزيمة سبقتها نتيجة حياتية تدخل في أصلها التسويق الناجح للمهارات لتحصيل نتيجة عالية! أما مقدار “العزيمة للعمل” هو ما سيمليه صدق إجابة المرء على سؤاله لنفسه “لما يتوجب عليّ تطور ذاتي” !

 

والإحباط كمسبب رئيس في قِصر الهِمة هو أمر بديهي, وخصوصاً عند فشل الإنسان بتحقيق إنجازات لا تتناسب مع قدر طموحاته الكبيرة وهذا ما يسمي في علم النفس بـــ”إحباط التوقعات العظيمة” او ” Great expectations breakdown” ولا توجد أي حلول لمثل هذا الأمر, إلا من خلال الإنسان نفسه, بأن يفهم مقدار قدراته جيداً ومقدار العوامل التي من الممكن أن تحبط محاولاته بالنجاح في “تطوير ذاته” فيما حوله وأن يعمل جاهداً أن يضع سقفاً للطموحات يتناسب مع هذه القدرات, ويبدأ شيئا فشيئا لتعويد نفسه المنافسة والعمل الدؤوب, فإذا وجد أنه حقق مقدار 2 من 4 مجمل أهداف, فهو شىءٌ مبشر, وعليه أن يستمر بالمران فيرتفع سقف الطموحات, فكل ما في الأمر أن تعمل أكثر مما تحلم! لعّل “أحمد بك شوقي” كان يقصد ما قلته لتوي، في بيت شعر واحد “وما نيل المطالب بالتمني … ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً”!

بالمرفقات:

طريقة صنع “صاروخ بازوكا”

طريقة صنع موتور سيارة
طريقة صنع “بندقية رشاش”

طريقة صنع إنسان ألي
طريقة صنع ستالايت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد