بعد دخول الخليج عصر الاقتصاد النفطي وبداية ثورة التحديث والإعمار في هذه الدول، اتجه أبناء القرى الصعيدية لهذا الفردوس الجديد بحثا عن حلم الثراء، وقد أدت هذه الهجرات إلى طفرة من التحديث في القرى الصعيدية تمثلت في انتشار التعليم والرعاية الصحية والمساكن الحديثة. ولكن للأسف أدت هذه الطفرة إلى نتائج سلبية تمثلت في تجريف القرية المصرية، التجريف بمعناة الحقيقي والمجازي: بمعناه الحقيقي حين تم إزالة القشرة الخصبة من الأرض وتدمير الرقعة الزراعية لصالح المساكن الأسمنتية، ومجازا بإزالة القشرة العمرانية والاجتماعية المميزة للقرية المصرية، وأنا لا أهدف إلى تقييم السلبيات والإيجابيات بقدر ما أهدف إلى أن نكون واعين في تحليل التغييرات الاقتصادية والاجتماعية وإدراك ما بينها من العلاقات وإلا نقع في فخ التبسيط

أولا: العادات الاجتماعية والتحول من التراحمي إلى التعاقدي

المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي مصطلحان كثيرا ما ذكرهما الدكتور المسيرى في كتاباته،  والمجتمع التراحمي هو المجتمع الذي  تقوم العلاقات بين أفراده على أساس القيم الإنسانية مثل القرابة والجوار والرحمة والوفاء أما المجتمع التعاقدي فهو مجتمع يقوم على العلاقات التعاقدية الرسمية وتكون المنفعة الشخصية هي أهم قيمه وتحل العقود والمستندات الرسمية محل قيم العهد والوفاء،  والقرية والمصرية عرفت منذ عهود غابرة بعاداتها الاجتماعية الراسخة المتمثلة في الاهتمام بعلاقات القرابة والجوار وقيم العهد والوفاء والكرم وغيرها وبهذه الصورة كانت القرية مجتمع تراحمي بامتياز،  إلى أن أتت عملية التحديث والتي  مالت بالمجتمع إلى قيم المجتمع التعاقدي بشكل جزئي, كما زاد النزوع إلى الاستقلالية وإحلال الروح الفردية محل الروح الجماعية التي  تسود المجتمع القروي بشكل عام،  فاختفت جزئيا  الأسر المشتركة وهي الأسر التي  يشترك فيها الإخوة في مصادر الدخل والمعيشة واحيانا في المسكن،  وفى جانب آخر تأثرت عادات الزواج والجنائز، في الزواج مثلا أصبحت العلاقات تعاقدية تماما وحلت المستندات الرسمية محل قيم العهد والوفاء والقرابة،  وأصبح هم الطرفين هو الحصول على أقصى ما يمكن من المكاسب وتحول الأمر إلى مايشبه الصفقة التجارية،  كما اختفت الأشكال التقليدية للعرس في القرية المصرية مثل المزمار والرقص البلدي،  ليصبح تقليد افراح المدينة في الغناء والرقص وغيره هو السائد.

هذا عن الزواج،  أما الحزن فقد كان له طقوس خاصة في قرى الصعيد تتمثل في المبالغة الشديدة في الحزن على فقد شخص عزيز وتتخذ صورا عدة،  مثل العديد وهو رثاء الميت بكلمات موزونة قديمة أو الامتناع عن بعض الأكلات أو الامتناع عن حلق الشعر وغيره (وهي سلبيات بلا شك)،  اختفت هذه المظاهر السلبية وبرز الاتجاه الاحتفائي بالحياة (الحي ابقى من الميت) وتقلصت مدة الحزن كما تقلصت مظاهره القديمة, ولعل انتشار التعليم له دور أيضا في اختفاء هذه المظاهر السلبية للحزن.

ثانيا: الشكل العمراني للقرية المصرية

القرية المصرية،  مساحات خضراء تتوسطها مبان صغيرة من الطوب والطين أو الطوب الأحمر المطلي بألوان طبيعية يتخللها النيل بانسيابه وهدوءه،  هذا هو الشكل التقليدي والمتخيل للقرية المصرية, ولكن انتبه يا صديقي فقاطرة التحديث مرت من هنا،  فقد تغير هذا الشكل تماما،  فغزت الكتل الأسمنتية البساط الأخضر للقرية المصرية،  وطغت رائحة الآلة على  رائحة الأشجار والزروع  وأفقدت النيل هدوءه ورومانسيته وأزعجت بضوضائها طيوره وأحيائه.

ثالثا: مظاهر حديثة وأفكار بالية ومجتمع هلامي

التحديث في الصعيد تحديث شكلي ولم يتجاوز إلى الأفكار القديمة والعادات البالية،  فقد أفقد القرية بعض قيمها وشكلها الحضاري بينما لا تزال أفكار التعصب القبلي والثأر قائمة بل أحيانا يزكي البناء والثروة من هذه الروح وتنشأ خلافات جديدة, أيضا وضع المرأة لا يزال سيئا في مجتمع ذكوري بالدرجة الأولى وإن كان وضعها الآن أفضل من الماضي،  هذا وقد ساهم التحديث في انتشار التعليم والقضاء على الكثير من المظاهر السلبية القديمة.

والمشكلة في رأيي أن كل ماسبق أنتج مجتمعا هلاميا لا يمكن تعريفه،  مجتمعا لا تعرف هل هو مجتمع قروي أم مجتمع حضري، مجتمع افتقد أجمل ما يميز القرية وللأسف لم يدرك ما يميز المدينة من حركة وثقافة.

لا شك أن للتحديث  نتائج عظيمة،  لكن المشكلة تكمن حين يصبح التحديث شكليا بينما تظل العقول كما هي لا تتطور, فينتج ذلك الإنسان المسخ المترسن بكل منتجات العصر، بينما عقله وأفكاره لم تغادر العصور الوسطى،  تملأ عقله الخرافات والجهل والتعصب،  يظن نفسه قد واكب العصر بينما هو مستهلك لمنتجاته ليس إلا يهذي كالسكران في صخب العولمة ويرقص على أنغام الإعلام في عرس الاستهلاك الذي  ترعاه الشركات الكبرى،  هذا الإنسان الذي  تصنعه أجهزة الإعلام،  تصنع توجهاته وقيمه ومظاهره ومأكله ومشربه،  هذا الإنسان الذي  تضيع قيمه و هويته ومظاهره الأصيلة ليصبح مستهلكا لثقافات ومنتجات لم يشارك في صنعها،  وهذه هي مصيبة الإنسان العربي عموما،  والسؤال هل من الممكن أن نسارع الخطى للحاق بالعصر دون أن نستلب من ذواتنا ونحن لاندري،  وهل من الممكن أن نملك القدرة على نقد ذواتنا وتمييز الصالح والطالح في مجتمعاتنا وأفكارنا دون أن يفرض علينا هذا من الخارج؟

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد