أقوم بمشاركة فيديو منتشر لحادثة مخيفة حدثت منذ أيام في فلسطين وكانت الحادثة لمجموعة من الأشخاص لا تظهر هوياتهم  ينتظرون في ساحة انتظار أتوبيس في شارع هادئ نسبيًّا، ثم يظهر فجأة في الصورة مركبة يقودها شخص تقتحم ساحة الانتظار لتدهس مجموعة من الأشخاص المنتظرين،

 

 

 

وينجو البعض من الحادثة فيظهر فجأة سائق المركبة والذي ترجَّل منها حاملًا بلطة أو عصا كبيرة ويبدأ في ضرب الناجين بشكل هيستيري حتى تأتي الشرطة وتطلق عليه النار لترديه قتيلًا. تلقيت كما أردت مجموعة من وجهات النظر المختلفة لكن كان بينها ما أثار القشعريرة بداخلي عندما علقت فتاة أعرفها في منتهى الرقة والهدوء كاتبة “فيديو مبهج جدًّا”.

 

 

 

 

 

لا أستطيع وصف شعور الدهشة الذي احتلني وقتها حتى قررت مشاهدة التعليقات على الفيديو في إحدى الصحف الشهيرة فوجدت دهشتي الكبيرة يذبحها سيف الاعتياد القتَّال.

 

 

 

 

لا أريد أن يُفهم من مقدمتي أنني أكتب هذا المقال لمناقشة فكرة مدى أخلاقية المقاومة كثابت أخلاقي لا يخلتف حوله كل زي عقل، لكني هنا لمناقشة ما قد يلتف حوله النظر فيفقد جراءه الإنسان قدرته على تحديد ما هو إنساني/حق، وما هو ضد إنساني/ باطل.

 

 

 

 

الكل يعلم الظروف التاريخية لتكوين الصراع العربي الإسرائيلي فلا أجد مبررًا للخوض في تلك التفاصيل إلا ما قد يبدو غائبًا عن البعض أو مستعصيًا على الجمع مع ما جدَّ من أحداث على ساحة الأرض المحتلة.

 

 

 

 

 

الكل يتابع منذ أيام ما سُمي لاحقًا بــ “انتفاضة السكين” وتقوم هذه الحركة الشعبية غير المنظمة على تحركات شعبية شاركت فيها عديد الفئات من أبناء الشعب الفلسطيني، ويمكن وصفها كفكرة بمحاولة إرباك العدو الصهيوني وذلك عن طريق هجمات  فردية يتم فيها استهداف أفراد مقيمين في دولة إسرائيل بالطعنات باستخدام الأسلحة البيضاء.

 

 

 

 

 

قد تبدو الفكرة بسيطة إلا أن الفيديوهات الموثقة لبعض العمليات قد أثارت بعض المناقشات حول مدى أخلاقية بعض الأفعال المتضمنة في تلك الحملة.

 

 

 

 

 

تبرز الإشكالية الأولى هنا في مسألة استهداف المدنيين الإسرائيليين، حيث يعتبر الطيف الأعظم من جمهور المتابعين ومنهم كثير من الفلسطينيين أن المستوطن الإسرائيلي لا يعتبر مدنيًّا بحال، لكنه يُعامل كمحارب ومغتصب للأرض والعرض يستحق القتل.

 

 

 

 

 

 

 

يظهر هنا الاعتراض الأول حيث تشمل كلمة المستوطن شرائح مختلفة منها المجندين وحاملي السلاح من الجيش الإسرائيلي، وغير المجندين من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. فهل يجوز قتل الشيخ والطفل والمرأة وهم من لا يتصور منهم حمل السلاح؟

 

 

 

 

 

 

الحقيقة أن هذا التصنيف لا يضيف شيئًا إلا كونه يزيد الأمور تعقيدًا، حيث ينطلق القائلون بقتل كل مستوطن من فكرة أن المستوطن قد اختار أن يغتصب الأرض من صاحبها وبالتالي فيعتبر معتديًا، وقتال المعتدي واجب أخلاقي، لكن هذه النظرة الإحصائية تغفل عاملًا مهمًّا يشكك في مبدأ تعمد الاستيطان واغتصاب الأرض ألا وهو ولادة ثلاثة أجيال على الأقل منذ بداية الاستيطان، فهل يعتبر جرم المستوطن الأول كجرم من وُلد على أرض لم يخترها لأبوين لم يخترهما؟

 

 

 

 

 

تنطلق كل  المنظومات الأخلاقية من مبدأ الحفاظ على حياة الإنسان كأولوية قصوى في حالة الحرب قبل حالة السلام، ففي الأصل تظل الحياة الإنسانية محفوظة حتى يتيقن الإنسان من أن من يواجهه سوف يقتله إن لم يبادره هو أولًا، وهذا ما يتوافر بكامل شروطه في المواجهات الحربية. لكن في المقابل فإن كل من لا يحمل سلاحًا يكون في حالة تجعل من الحكم اليقيني باستحقاقه للقتل مسألة شبه مستحيلة.

 

 

 

 

من هذه النقطة خرجت تعريفات المدنيين في التشريعات الدينية والوضعية، ففي ثقافتنا العربية الإسلامية نهى النبي محمد عن قتل من لا يحمل السلاح رجلًا كان أو شيخًا أو امرأة أو طفلًا، وبالتعبير المعاصر والذي تمت صياغته في اتفاقية جينيف والتي سوف نتناولها تاليًا، تصف هؤلاء المادة 4 من الاتفاقية الرابعة “تحدد من يتمتعون بالحماية بموجب الاتفاقية.

 

 

 

فقط يتمتع بالحماية أولئك الذين وجدوا أنفسهم داخل الأراضي المحتلة”.

 

 

 

 

وقد عقدت اتفاقية جينيف لحقوق الإنسان اتفاقًا حول مسألة حقوق المدنيين، فبعد الحرب العالمية الثانية تم عقد الاتفاقية في أغسطس عام 1949. ووقع البروتوكولان الإضافيان في يونيو عام 1977 وكان المجتمع الدولي قد قبل القيود التي تطبق على جميع أطراف الصراع، بغض النظر عن مدى شرعية قضيتهم،

 

 

 

 

 

ومن هنا تمت صياغة  المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لتعمل على ترسيخ قاعدة أساسية تنص على أن “تعمل أطراف النزاع على تمييز السكان المدنيين من المقاتلين، وتمييز الأعيان المدنية من الأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية واحترامهم”.

 

 

 

 

تظهر بوضوح أيضًا في أفق الحوار حول القضية الفلسطينية فكرة قديمة للغاية ولكن يتم استيلادها باستمرار على ألسنة معظم من يتحدث عن العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين،

 

 

 

 

تنطلق الفكرة من منطلق شعبي وهو ما يفسر شهرتها كجدلية تؤتي أُكلها دائمًا في الأوساط الإسلامية، وهي فكرة تشبيه المستوطن الإسرائيلي في علاقته بصاحب الأرض كمن يقتحم منزلًا على صاحبه ويجلس فوق سريره،

 

 

 

 

 

 

وهنا يصعب في ظل هذا التصور وجود أي خطوط قد يقف عندها الإنسان المدافع عن العرض، ولكن للأسف تقوم هذه الجدلية على تجاهل لكل المواثيق التي تمت بين طرفي الصراع والتي تحمل وإن ضمنيًّا اعترافًا من السلطة الفلسطينية بسيادة دولة إسرائيل على أرض بحدود قد يتم التفاوض حولها. وهكذا بمرور الوقت وبنشوء أجيال جديدة وُلدت على الأرض ولم تعرف لها وطنًا غيرها، يبدو القياس مختلًا إلى حد بعيد. كذلك النتائج الفكرية لاعتباره جدلية تمتلك من الصرامة والتماسك ما تمتلك.

 

 

 

في هذه اللحظة قد يبدو موقفنا مدافعًا في عيون البعض عن إسرائيل ككيان محتل يجب حمايته، والحق أن الدفاع عن الفكرة لا يمكن ربطه شرطيًّا بالدفاع عن كيان أو شخص. وتنطلق من هذه الخلفية أصوات الكثيرين وخصوصًا من أبناء الشعب الفلسطيني غاضبة من المساعي التي تتمسك بالحفاظ على حقوق الإنسان

 

 

 

 

 

ويرون في ذلك أن هؤلاء يغلون أيدي المقاومة ويجعلونها تعاني ضعفًا يزيد من الهوة المتسعة باستمرار بين طرفي النزاع من حيث القوة والقدرة على التأثير فوق الأرض. وللحق فإن مسألة اعتبار إعلاء مبادئ حقوق الإنسان قد واجهت تحديات أكبر وأشرس من تلك التي يدعيها أصحاب لواء المقاومة على الأراضي المحتلة.

 

 

 

 

فتحت راية الحرب على الإرهاب كانت قد تعالت الكثير من الأصوات ضد مبادئ حقوق الإنسان، وأنها تغل يد ممثلي الخير عن إبادة أصحاب الرايات السوداء، ففي مقاله المنشور في صحيفة “نيو يورك بوست” في 25 يوليو 2006 في أثناء الحرب على لبنان تساءل جون بودهوريتز، وهو أحد منظري حركة المحافظين الجدد “هل الديمواقراطيات الليبرالية لم تتطور إلى درجة تخولها خوض حروب فعالة بسبب انشغالاتها الإنسانية الأخرى…؟”

 

 

 

 

 

ويتابع: “وكيف لو أن خطأنا التكتيكي في العراق يتجسد في أننا لم نقتل ما يكفي من السُّنة في بداية تدخلنا لتخويفهم منا وبث الرعب في نفوسهم حتى يقبلوا أي شيء؟ ألم يكن بقاء الرجال السُّنة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة على قيد الحياة وراء التمرد، والسبب الأساسي للعنف المذهبي؟”

 

 

 

 

 

 

وأنهى كلامه قائلًا: “هل هذه المفارقة المرعبة في فن الحرب في القرن الحادي والعشرين؟ إذا كان من غير الممكن أن تهزم إسرائيل والولايات المتحدة عسكريًّا بالمعنى التقليدي، فهل هذا يعني أن أعداءنا قد اكتشفوا وسيلة جديدة للانتصار؟

 

 

 

 

 

 

ألا يسعون للنصر من خلال إضعاف معنوياتنا فحسب. ما يجعلنا نواجه تحدي بلوغ مستوى وحشيتهم، مع العلم أننا لن نفعل ذلك؟ هل من الممكن ألا تعرض عظمة حضارتنا الأخلاقية. وإعارتها اهتمامًا مذهلًا لقيمة الفرد مستقبل حضارتنا؟”.

 

 

 

 

 

هكذا يتحد الجميع في الاتفاق حول عدم جدوى الاهتمام بمبادئ حقوق الإنسان، ويا لها من مفارقة جديرة بالوقوف عندها لمجرد تأملها، لكنني الآن أوجه خطابي لأصحاب الحق الأصيل من أبناء الشعب الفلسطيني والذين يتهموننا بأننا لا نفعل ذلك إلا خضوعًا منا وانبطاحًا أمام حضارة الغرب،

 

 

 

 

 

ونفعل في سبيل ذلك ما من شأنه أن يضعف معنوياتهم ويوهن عزيمتهم في مقاومة عدوهم الغادر، أقول لهم إن حقوق الإنسان وُضعت في الأصل لحماية الطرف الأضعف من منظور موازين القوة، فكل محتل يمتلك من القوة ما يخول له إبادة شعوب كاملة ولديه من الدوافع النفسية والأيديولوجية ما يجعله يقدم على ذلك، لن يجد أمامه رادعًا إلا مبادئ حقوق الإنسان وتمسك بعض الأطراف المحايدة بها – حتى وإن تم التخلي عنها في بعض الأوقات لصالح اللاعبين المؤثرين في ميدان القوى.

 

 

 

 

 

أضف إلى ذلك أنه عندما ترتكب ما يرفضه العالم من أفعال خصمك فإنك تحرم نفسك من فرصة الصراخ فيما بعد عندما تتعرض لنفس الأفعال، والمؤكد أن هذا الموقف سوف يحدث بالنظر إلى الفوارق العسكرية بين الجانبين.

 

 

 

 

لقد كان دومًا دافعنا الرئيس في التعاطف مع القضية الفلسطينية هو دافع إنساني بالأساس، دافع الانتصار للمظلوم والانتصار للحق، لكن ماذا لو فعلنا ما يفعله الظالم، ماذا لو تركنا صفوفنا وانضممنا إليهم في صفوف الذين يهشمون رأس الإنسانية بمطرقة البراجماتية وتعميق الهوة بين الأخلاقي والواقعي!

 

 

 

 

كيف لنا أن نحارب فيهم ما نجده في أرواحنا ونشعر به متلبسًا في ثنايا أنفسنا؟

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد