يقول شارل شومو «علينا أن نجعل القانون وسيلة بيد الضعفاء لإنصاف أنفسهم من الأقوياء، لا بد من الثورة لتحل العدالة محل أنظمة البطش». كثيرًا ما كانت تلك المقولة ترن في رأسي، لكن بعد العديد من التجارب الشخصية ومراقبتي للتجارب الأخرى التي تعصف في المنطقة، استنتجت أن تلك المقولة تندرج تحت ما أحب تسميته «رمنسة» الواقع، ببساطة لأن الحق الذي لا توجد قوة تحميه هو حق ضائع وحق مستباح، هذا برأي ما يلخص النظام الدولي الحاكم الآن، ولكن هذا لا يعني أن كلام أولئك الأشخاص الذين يتهمون الشعوب بقلة الوعي الذي أفرز جميع هذا الخراب والفوضى صحيح، أولئك الساذجون الذين يظنون أن قرار الشعوب بالانتفاض وبالدخول في دوامة المطالبة بالحقوق أمر عبثي، أو مرتبط بمؤامرات خارجية، ويستعملون أكثر طرائق التفكير تقليدية في الحكم على الواقع، من خلال القياس، قياس الحاضر على الماضي، كيف كنا وكيف أصبحنا، هذه الكائنات لا بد أن تنقرض يومًا ما، ولكن لا أدري متى.

فهم الواقع واستشراف المستقبل

منذ فترة ليست ببعيدة تعرفت إلى أحد المنجمين أو المشعوذين، الذين يدّعون قدرتهم على التواصل مع الجن وإسقاط حركة الكواكب على الحاضر والمستقبل، وفي سياق ذلك سألت المنجم سؤالًا بسيطًا، قلت له برأي التنجيم ما سبب الانتفاضات والاحتجاجات والخراب والدمار الذي يلحق بالمنطقة منذ 2011؟ ابتسم بثقة تمنيت لو أني أمتلك 5% منها، ثم فتح لي كتابًا أصفر وقال لي: يا عمر هل تعرف كوكب أورانوس، رددت طبعًا هو أحد كواكب المجموعة الشمسية، ازدادت ابتسامته ثقة وأشار لي على إحدى صفحات الكتاب، كانت تحوي العديد من الخطوط والدوائر التي لم أفهمها، لكنه قال: كوكب أورانوس في عُرف التنجيم هو كوكب الانقلابات والثورات والملوك والخراب، ولقد دخل في زاوية معاكسة منذ عام 2011؛ لذلك حصل ما حصل في المنطقة، قال ذلك وأغلق كتابه بثقته العجيبة، ثم استطرد وقال لا تقلق جميع تلك المعاكسات سوف تنتهي بنهاية عام 2018، قلت له ولكن، كل الفقر والمرض والبطالة والتخلف والظلم، وغيرها الكثير من المظالم الاجتماعية لا علاقة لها به! فأجاب بنفس الثقة كلا يا عمر، إنه أورانوس، عندها شتمت أورانوس الذي أوصلنا لما نحن فيه.

في سياق آخر عقلاني له علاقة باستشراف المستقبل، وبعد زيارتي للمنجم، خطر كلام المهدي المنجرة، ذاك المتنبئ بمآسي العالم العربي، المهدي المنجرة عالم مستقبليات مغربي، رغم عدم اتفاقي معه في وجهة نظره العامة التي تصب في خانة المؤامرات، فإنه في كتابه «انتفاضات في زمن الذلقراطية»، وكتابه «عولمة العولمة»، وخلال جوابه عن سؤال مباشر عن مستقبل العالم العربي، سؤال طُرح عليه في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1999، أي قبل 11 عامًا تقريبًا من اندلاع أولى الاحتجاجات أجاب: هنالك ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنطقة أقتبسها منه كما هي.

السيناريو الأول: الاستقرار والاستمرار، ويحتاج إلى دعم من البنك الدولي، والجيوش الأجنبية التي تستوطن البلاد العربية، وهذا غير ممكن في حياة الشعوب.

السيناريو الثاني: الإصلاح الذي كان قد تعطل نظرًا إلى استمرار السيناريو الأول، يمكن له أن ينجح؛ إلا أن ذلك يظل رهينًا بسرعة التدخل لإقامة الإصلاحات اللازمة، والوعي بمعالجة فورية وجذرية لمسائل مثل: الديمقراطية وشروطها الضرورية، والعمل على وضع دعائم المجتمع المدني إلى غير هذا السيناريو، لكن كلما تأخر العمل به صار من المتعذر الإقدام على إصلاحات فاعلة وناجحة، والمشكلة التي تعترض هذا السيناريو بحسب المنجرة هو غياب إرادة سياسية حقيقية تتنباه.

السيناريو الثالث: التغيير الجذري يعني الثورة أو المواجهة أو الانتفاضة أو التحولات الكبرى والعميقة، معترفًا أنه لا يدري كيف سيحدث هذا التغيير وما درجة سرعته، ربما تتخذ منحى شبيهًا لذلك الذي اتخذته ثورة الشعب المغربي ضد الاستعمار.

هذا رأي الدكتور المهدي المنجرة قبل ما يقارب 11 عامًا على أولى الانتفاضات العربية، وهذا أيضًا يجعلنا ندرك نمطين من التفكير السائد في العقل الجمعي العربي؛ النمط الذي يعتمد في تفسير الواقع على الخرافات، وأحيانًا الروحانيات، وربط الأحداث بما يسمى أدلة الساعة، أو إرهاصات خروج المهدي والسيد المسيح، أو نظرية المؤامرة، والنمط المنطقي العقلاني الذي يربط تفسير الواقع بالواقع نفسه، كما يقول قانون نيوتن الثالث «لكل فعل رد فعل يساويه في القيمة ويعاكسه في الاتجاه»؛ أي لا شيء يخرج من الجدار اعتباطًا، لا بد من سبب لما يجري، حتى وإن كانت الظاهرة اجتماعية ولا علاقة لها بالفيزياء.

لم ينته الاستشراف العقلاني بعد للواقع، الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «سيكولوجية الإنسان المقهور» يذكر ثلاث مراحل يمر بها أي مجتمع يتعرض لسلطة القهر والحكم الشمولي.

تبدأ الأولى فيما يسميه الدكتور، مرحلة القهر والرضوخ، ويقول إنه في هذه المرحلة تبدو الاستكانة والمهانة هي الطبيعة الأزلية لهذه الجماهير، وهذا ما تحاول قوى التسلط غرسه في نفوسها، لكن ما لا يعلمه المتسلط أن بذور التمرد والانتفاضة تنمو ببطء في أحشاء هذه الجماهير، لتدخل الجماهير بعدها في المرحلة الثانية، وهي مرحلة الاضطهاد، عندما يبلغ فيها التوتر الانفعالي درجة عالية، وتبدأ حالة من الغليان الداخلي الذي يتمثل في الواقع بالعدوانية بعضها على بعض، أي شيوع العلاقات الاضطهادية فيما بينها؛ لأنها لا تستطيع اضطهاد المتسلط حاليًا، أما المرحلة الثالثة والأخيرة، مرحلة التمرد والمجابهة، فالشعب الذي ظلوا يقولون إنه لا يفهم غير لغة القسوة، يحسم أمره وبعبر عن نفسه بلغة القسوة ذاتها، لذلك يصل أي مجتمع مقهور في مرحلة من مراحله إلى العنف، الذي تمثل في الاحتجاج على السلطة أو الانتفاضة.

في المحصلة علينا أن نفهم أن ما يحدث في المنطقة، هو نتيجة عمليات متراكمة من الظلم الاجتماعي، ليس نتيحة تدخلات خارجية أو مؤامرات أمريكية وصهيونية، رغم أن هذا لا يمنع من تدخل السياسات الدولية في كل ما يجري، ولكن بعدما جرى، وزحزحته باتجاه تحقيق مصالحها، وهذا هو الطبيعي في السياسة الدولية، لكن يجب أن يكون الشباب الساعي نحو التغيير الوطني واعيًا لما يجري، وفاهمًا للأسباب ويملك القدرة على خلق البدائل الوطنية التي لا تحمل أجندات خارجية، لذلك أدعو كل الأصدقاء المنخرطين في الانتفاضات والحركات الشعبية إلى بلورة رؤيتهم للماضي والحاضر من خلال القراءة المتعمقة لأشخاص مثل المنجرة وحجازي والجابري وغيرهم من المفكرين، الذين نستطيع الاستفادة من تجاربهم وأفكارهم، قراءتها ونقدها والبناء على ما نراه صالحًا لواقعنا ومستقبلنا منها؛ ففي النهاية نحن امتداد لأولئك، ونحن قادرون على صنع الخيارات الحقيقية الوطنية.

وأن نتبعد عن الشعارات الرومانسية، مثل كلام شارل شومو أو غيره، التغيير من سيئ إلى أقل سوء هو المطلوب، فهم خصوصية كل بلد واستشراف مستقبله عن طريق المعرفة والعقل، العقل العربي الجمعي استقال في فترة سابقة، ولكن هذا لا يجب أن يمنعنا من محاولات إعادة بعثه، وموجات الانتفاضات كما تلاحظون تتجدد في كل فترة بحسب الشروط الداخلية لكل بلد، الأمر لم ينته أيها السادة، 2011 كانت البداية فقط.

تجارب شعوب المنطقة لن تذهب سدى، نعم لقد فشلت المحاولات الأولى، ولم تستطع بلورة تغيير حقيقي، لكن هذا لا يعني أن المعركة انتهت، التجارب تصب في وعي الشعوب، وتشحنها لجولات أخرى من الانتفاضات، والأمر كما ذكرنا ليس سحرًا أسود يقلب الوقائع بين ليلة وضحاها، الأمر بحاجة لنفس طويل وصبر، التراكمات التي تخلقها تلك التجارب، لا بد أن تتحول في الوقت المناسب إلى التغيير المنشود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد