لا أحب الآفلين

 لعلّ أكثر ما يؤرّق القلبَ ويهوي بِه في متاهات العجز والعدميّة لهو ارتباطُه بوجود أشياء في حياته ارتباطًا ملاصِقَا لوجوده، بحيث إنّه إذا فقدها أو فقد منها أو حتّى هُدِّد شعورُه باحتماليّة فقدِها، يهوي ويتساقطُ شيئًا فشيئًا كأوراق خريفٍ انقضى زمن إيراقِها، فلا يلبث على حاله تلك يتلظى على سعير فقدٍ بعد فقد حتّى يوافيهِ أجَلُ نهايته ولم يستوفِ بعدُ رغبة احتضانِ تلك الأشياء فيه، يتألّم ويتململ، وتلتقِمُه أحزانٌ فتخيِّم على حياتِه وتغشّيها.

 إنّ تعلّق القلبِ لا يكُون بتعلّقه بحقيقة ذلك الشّيء، بل بالشعور الذي يمنحُه إيّاهُ وهو بين يديه، بالأمانِ الذي يستشعره إذا ما كان بحوزته، لطبيعةِ الضعف الذي فيه تجده يسكن لمن يعوّض نقصَه، ويقضي حاجتَه، فإذا ما انتُزِعَ منه فقدَ ذلِك الحِسَّ ليُهدَّد استقرارُه بعد أن تعرّت نقاط الضعفِ فيه لتمتلئ بعدَها بشجونِ الحسرةِ والأسى، وهو على تلك الحال، هيِّنٌ مُتهاوٍ حتّى يأتِيه شيءٌ آخر فيهبُه كامِل روحِه ويستأمنه على نقاط نقصِه ليُمتَحَن بفقدٍ جديد وألمٍ جديد.

 إذا استغنى المرء اغتنى، وإذا تخلّى اعتلى، فهو وكلُّ ما فيهِ ساجِدٌ لربِّ الوجود مقرٌّ بحاجته إليه دون خلقِه، فلن ينهارَ إذا انهارَ منه شيءٌ فانٍ أقامَه له المولى برهةً من حياتِه ليعينَه على إقامةِ حقيقةِ وجودِه، ولن يتلاشى إذا تلاشى منه ما أوجده اللّه له ليساعده على إقامةِ حدوده، متعلِّقٌ فقط بمعنى واحدٍ يتجلّى في كلِّ معانِي ما حوله «أنّ الدائم هو اللّه وكلّ ما دونه يأفل».

 كذلك كلّ ما خَلَق اللّه جعلَهُ سبَبًا ليتقرّب به إليه لا أن يبتعِد، فالحكمةُ مِن تلك النِّعم كلٌها أن نستخدِمَها فيما يرضِي اللّه في سبيلِ اللّه، أن نؤمِن بأنّها وسائل لا غايات فنسعى للتعامُل معها كذلك، وبما أنّ الغايةَ مِن الوجود هي التِي ينبغي أن يصبّ فيها المرءِ كلَّ ما فيه وكلّ ما إليه، فإنّ الوسائل كذلك يجبُ أن يكون مردّها إلى الغايةِ مِن إيجادها، فنرتبِطُ بها مقدار ما نوفّي منها دورَها وإذا ما انتهى لا ننشغِلُ ببعادِها عمّا أوجدَها وأوجدَنا.

 {فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين}

 كلّ ما دار داخل ابراهيم تلك اللّيلة يجب أن يدور في داخلنا، أن يسحبَنا من الإقبال على كلّ ما هو مُهدَّدٌ بالأفول، ويمزِّقَ مِنَّا كلّ رباطٍ هلهلٍ لا يُؤَمِّنُ نجاتَنا، كلُّ واحدٍ مِنّا يجبُ أن يتمعّن في تلكم الأشياء من حوله، وأن يأخُذ انتزاعَها منه بحكمتها، وأن يستخلِصَ لنفسِه منها حقيقةً يعيشُ بها وعليهَا ولا يهدُّه أو يقضّ مضجَعَه ما دونَها.

 لا أحبّ الآفلين..
لا أحبّ أن أرمِي بيقينِي وإيمانِي وروحي وحياتِي في سبيل آفلين، لا أحبُّ أن يكون كلُّ ما أريدُه سُجودٌ ورضوخٌ مِنّي لآفلين، لا أحبُّ أن يرتبط وجودِي بآفلين، أحبُّ أن أترفَّع عن كلِّ شيءٍ لا يضمَنُ لي شيئًا هنا وهناك، فكلّي وكلُّ ما لي مُقِرٌّ بأنَّ وجودِي خالصٌ له وإليه، ويسعَى بما خَلَقَ له به إليه.

 يقول الدكتور أحمد خيري العمري: (لا أحب الآفلين كانت تصريحًا بأني يجب أن أحبّ شيئًا آخر، غير خاضع للأفول. كان البيان رقم واحد في التعبير عن الحاجة لشيء آخر، كان الإعلان الإنساني الأول من عمق الفطرة والعقل على حد سواء عن الحاجة إلى إله آخر غير كل ذلك الأفول).
كذلك إذا تجرّدنَا من ذلِك الارتباط بكلِّ ما هو دون اللّه وبكلِّ ما هو بقدرتِهِ آفلٌ متلاشٍ فقد انسلخنَا مِن تبعيتِنا له، وتبرّأنا مِن إشراكِ القلبِ فِي كل ما دون مولاه، ولن يكون ذلك إن بقينَا متمسِّكين بأنقاضِ ما خلّف الزّائل فينا نرثِي. ذكرى حضورِه ونبكِي ألمَ زوالِه مِنّا، لن يكُون إذا استغرقنَا حياتَنا في تتبّعِ آثارِ مَن أو ما فُقِد مِنّا في حِين أنَّنا يجب أن نشغِّل العقل والفطرة فينا -مثلما فعل ابراهيم عليه السّلام- لتحقيق ما يجب علينا تحقيقُه.

وقد جَعَل اللّه ابتلاءاتِ الفقد خطابًا يحدِّث بِه الألباب أنَّ كلّ شيءٍ من دونِي عَدَم، وأنَّ قضاءَ العمرِ في تقصّي سبيلِ الآفلين لن يُغنِي فؤادَك عني شيئًا وستشرع في وجهك أبوابُ الحقائقِ إن كنت متمسّكًا بربّ الحقائق مقرًّا بوجودِه خاضِعًا له بيقينِك.

 إنّ الحياة تنتزِعُ مِنّا بعد عطاء، وتسرق منّا بعد إمداد ونحنُ بين ذا وذا نسيرُ على دربِ إعداد، نعدُّ قلبًا مستغنِيًا عن كلّ مادون اللّه، نعدُّ روحًا موصولةً به فقط، لا يخزُّها فقد ما هو بيدِ اللّه، ولا يؤذيها ابتعادُ مَن خَلَق اللّه، نعدّ مِنّا أشخاصًا يرغبون بوصلِ مَن يصِلُهُم باللّه ولا يَبالون بانقِطاعِ وَصلٍ ما دامُوا لم ينقطِعُوا عن وصلِ اللّه، أشخاصًا حُفِرت في دواخلهم حقيقةُ أنّ كلّ ما دون اللّه مآله الأفول فيسعون لأن يرتبِطُوا فقط بحقيقةِ بقاءِ الباقِي السّرمدي إلى أن يُلاقوه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليقين
عرض التعليقات