نحتاج في الوطن العربي أن نعيد تقييم التخطيط العمراني. إن التخطيط العمراني ليس له أغراض جمالية فقط بل أغراض صحية وثقافية واجتماعية وأمنية كذلك.
وأريد التركيز على الجانب الصحي. قد يقول قائل إن لنا اهتمامات أخرى أهم من التخطيط العمراني وموارد الوطن محدودة فلنركز على القطاع الصحي والتعليمي أولًا.

التخطيط أولية قصوى

وأقول إن التخطيط العمراني يتعلق مباشرة وغير مباشرة بالصحة والتعليم. فكيف ذاك إذًا؟

مواقع المنشآت والخدمات مما يعني به التخطيط. وفي الوطن العربي عمومًا نعتمد التخطيط المركزي حيث يتركز جل الخدمات في وسط المدينة. هذا يسبب ازدحامًا وعرقلة للسير. فلو كان لنا طبقتان من الخدمة لأخففت من الازدحام. طبقة أولية في الضواحي والأرياف وطبقة ثانوية في المركز. ومن اهتمامات التخطيط العناء بالشوارع والمواصلات العامة. فالتخطيط السليم يزيد انسيابية السير ويسهل وصول الإسعافات إلى المريض وإلى المستشفى.
أما الوسائل غير المباشرة فهي أكثر، نذكر منها تأثير التشجير والتناسق العمراني. إن التشجير والأشجار:

* تنقي الهواء.

* تخفف من حدة الشمس والأشعة فوق البنفسجية.

* تخفف بظلالها احتياجنا للطاقة للتبريد.

* تخفف الحرارة بشكل عام في المدينة.

* تخفف احتياجنا للماء لسقي المساحات الخضراء.

* تنقي مياه الأمطار وتزيد المياه الجوفية.

* تحد من تعرية التربة.

* تعطي ثمارًا للبشر والطيور وباقي الكائنات.

* تساعد في تعافي المريض وبشكل أسرع وتخفف الإجهاد.

* تساعد حسب الدراسات في تخفيض العنف.

* قد توظف كألعاب للأطفال.
* تساعد على التكاتف الاجتماعي عن طريق زرع الأشجار جماعيًا.
* تغطي مناظر رمادية مملة كمواقف السيارات والجدران الخرسانية.
* تستوعب التلوث الضوضائي.
* قد تكون مصدر وقود عند الحاجة.
* تزيد قيمة العقار.

وهذا كله يساعد بالتأكيد في الحد من الأمراض بطرق مباشرة وغير مباشرة.

أما التناسق العمراني فيحد من سرعة السيارات مما يحد من الحوادث. وقيمة لطيفة للتناسق هو تعوّد المرء على الاستقامة والنظام والانتظام بحيث لا يشعر. فإذا رأيت مكانًا نظيفًا ومرتبًا تتشجع أكثر على الحفاظ عليه وإذا كانت خاربة لربما لا تبالي إذا زدتها خرابًا.

العمل على مستويَين

أما بالنسبة للتطبيق فإني أرى أن هناك خطين عريضين متوازيين لا بد من اتباعهما. الخط الأول هو إجراء إصلاحات سريعة وشاملة لمدننا الكبرى التي تعاني مشاكل بيئية كبغداد والقاهرة. الخط الثاني يتعلق بدولنا الشاسعة كموريتانيا وليبيا الفارغة نسبيًا. ما تتطلبه هاتان المنطقتان لإصلاحهما كاملًا لا يستغرق أكثر مما يتطلبه إصلاح حي في القاهرة. وسبب ضرورة التركيز على المناطق قليلة السكان هو أنه يعطيك نموذجًا عن التخطيط التطبيقي ويعطيك خبرة وبتكلفة أقل. وأما المدن الكبرى فهن رموز أمتنا ولا بد من إصلاحها كذلك.

وفي ظل غياب اهتمام حكومي لا بد من البديل الشعبي. يجب على الشعب أن يطلب بتطوير العشوائيات وإصلاح المدن وتوفير البنى التحتية. إنها ليست قضية هامشية بل في صلب التحضر والاقتصاد والازدهار! الضغط قد يأتي كمظاهرات، مراسلات للسياسيين، مداخلات وبصور أخرى. وأعتقد أنه موضوع قد يوحّد الشارع لأن التخطيط والبنية التحتية يستفيد منهما الجميع.

سيظهر خلافات لا شك في ترتيب أولويات المشاريع وطرق التنفيذ ولكن دعنا نضغط كي نسير نحو هذا النوع من الاختلاف بدل أن نختلف في أشياء أخرى لا تسمن ولا تغني من جوع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد