الحمدلله الذي اختار لنا الإسلام دينًا، وشرفنا بالانتساب إليه وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 سوف نتناول في هذا المقال مفهوم العمران بوصفه مفهومًا مركزيًا من مفاهيم القرآن الكريم ونجتهد في تقديم رؤية معرفية لهذا المفهوم من مرجعية قرآنية، وحديثنا سيكون عن مفهوم قيمة العمران في القرآن الكريم وعلاقة هذه القيمة بالحياة التي يريدها الله عز وجل للإنسان، ثم في الأحاديث النبويه الشريفه، وأيضًا عند بعض العلماء من بينهم مفخرة الإسلام العلامة ابن خلدون رحمه الله.

حث الإسلام على عمران الأرض وتعميرها بما ينفع الناس أفرادًا وجماعات، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}، وقال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}، ويكون تعمير الأرض باستثمارها وإحيائها واستخراج ثرواتها، وإحياء الأرض البوار والموات يكون بالبناء للسكن أو العمل أو الزراعة، قال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}

 إذن العمران هو قيمة تحدد فقه العمل في الدنيا ولا سيما عمل المجتمع الذي يتعلق بنظام الإدارة ورعاية لشؤون الناس، كما لفقه العمران عدة جوانب هناك جوانب معنوية لحياة المجتمع كإقامة العدل وممارسة الشورى ومادية كالزراعة والصناعة.

ويوم فقه المسلمون فقه العمران كثر الخير فيهم وانتشرت مؤسسات العلم وعندما غفلوا عليه ضعف شأنهم وخرب عمرانهم.

ووردت كلمة العمران في القرآن الكريم 25 مرة، وفي ثلاث منها على صيغة اسم علم مثال «إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين» وثلاث مرات اسما لنسك العمرة التي تتم في سائر الأيام مما يبقي المسجد الحرام عامرًا بالمعتمرين ومعمورًا بهم على مدار العام حتى يأتي الحج مرة واحدة، وجاءت ثلاث مرات بمعنى إقامة السكنى والاستقرار في الأرض وفلاحتها وبناء المباني وتشييد القصور وغيرها، وجاءت مرة واحدة بمعنى الحياة وهو عنصر في نمو الفرد الإنساني وتحقيقه بعض الخصائص واستكماله بعض المتطلبات المادية والمعنوية، فمرور الوقت كاف لتطوير مؤسسات الحضارة وأدواتها، لكن لاجتماع عناصر ثلات (الإنسان -التراب -الوقت) يحتاج هذا إلى الطاقة الروحية.

ويقابل العمران في اللفظ القرآني الفساد وسفك الدماء والقتل والخراب والهدم، ويأتي هذا اللفظ بعدد من المعاني المتداخلة تشكل حقلًا دلاليًّا متكاملًا من بينها الإقامة وتعني (الاستقراء في مكان محدد والتوطن فيه والتخلي عن حياة التنقل) ثم حالة الحياة (أن حياة الفرد الإنساني تكون مع مرور الوقت وتوالي الأيام والسنين طوال حياته على الأرض، وقد مثل القرآن الكريم إنهاء حياة النفس البشريه ظلما وفسادا بإنهاء الحياة البشرية كلها وإحيائها لإحياء البشر جميعًا، وقيام الفرد الإنساني بأمانة الخلافة في الأرض ومهمة العمران فيها والانسان يسعى في هذه الدنيا طول عمره ليعمر حياته بأنواع العمل والكسب المادي والمعنوي) ثم أيضًا العمران المادي (وأن يتحقق نتيجة تراكم التجربه وبتطور معرفة الإنسان) وفي الأخير العمران الثقافي (يتحقق نتيجة الخبرة والجماعات وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعيه والمعيشية).

كما جاء أيضًا لفظ العمران في الحديث النبوي الشريف يحمل عدة معان ودلالات، ورد بمعنى العمر (مرور الزمن في حياة الفرد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «يكبر بني آدم ويكبر معه اتنثان حب المال وطوال العمر»، ثم جاء لفظ العمران بمعنى الهدم والخراب لقول أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه»، ثم جاء بلفظ العمرة لنسك الحج قال صلى الله عليه وسلم «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاءا إلا الجنة».

وجعل ابن خلدون المفهوم القرآني العمران علما جديدا يدرس حياة الناس وما يطرأ على هذه الحياة من تحولات وتبدلات وما ينشأ من علاقات، وسماع علم العمران البشري الدلالة التي أعطاها ابن خلدون للحضارة والعمران البشري مرتبط بالوصول إلى مرحلة الضعف وبداية انهيار أكثر مما هو مرتبط بالدلالة السائدة التي تعطي معنى التقدم والرقي، وأركان العمران الخلدوني ثلاث (تقوى الله، العدل في الحكم، السعي في الرزق وفي حياة المجتمع).

والحضارة في الفقه الخلدوني هي غاية العمران أن يتطور وينتقل من البداوة إلى الحضارة مع توسيع العلاقة بين العمران والحضارة، فخصص فيه فصلا بعنوان «فصل في أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره مؤدية لفساده».

كما جمع ابن خلدون بين رؤتين «المادية» و«الإيمانية»، فالرؤية المادية هي نتيجة قوانين والتنافس والتسابق العلمي والتجاري، أما الرؤية الإيمانية تقوم على رؤية أقدار الله سبحانه وتعالى وفق سننه الفطرية.

إذن فالعمران هو حالة من الإنجاز المادي والمعنوي بمرافقة مستويات الحياة في المجتمعات الإنسانية ويمكن توظيف الإنجاز العمراني في تحقيق مقاصد استخلاف الإنسان في الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد