إن ما نشيده اليوم من أبراج، وما نرفعه من ناطحات سحاب لن تكون -يوما- موروثا لنا أو حتى فخرا ننقله لأجيالنا القادمة، إنما موروثنا الحقيقي فيتمثل في مدى تطورنا وإبداعنا العلمي والتعليمي، وفضائنا الواسع من الحرية الشخصية، ومسرحنا الواقعي وأدبنا التربوي.

أما هذه المباني الشاهقة، فما هي إلا صورة مصغرة لواقع الدولة التي تحتضن الفساد الإداري من جهة، والسحر البصري من جهة أخرى، حيث استطاعت الحكومات المتتالية أن تقلب المعايير وتعكس الموازين وتخدع الشعوب، بأن تجعل معيار التمدن والتطور مقرونا بعدد الأبراج ومدى ارتفاعها، وهذا تضليل خطير جدا.

ولتقريب الصورة، تخيل شخصا يدافع عن النازية بنشر صور للقصر الرئاسي الألماني ومبنى «البونديستاغ» والحدائق الرئاسية في ذاك العصر، كدليل على مدى التحضر والتقدم فيه، واثبًا فوق كل صور الظلم والاضطهاد اللذين سيطرا على هذا العهد من الحكم الفاشي.

فهذه الثقافة تمكنت من التاريخ وزورت الحقيقة، بل وما زالت تزور واقعنا أمام أعيننا، فنحن نعيش في بلدان ناطحات السحاب، مع أن حريتنا وكرامتنا مدفونة في القبور، تبحث لها عن منفذ لتخرج من الظلمات إلى النور.

نفتخر بما تملكه الحكومات من مبانٍ إدارية مزخرفة، ونغض الطرف عن الفساد الذي ينخر في حيطانها.
يدهشنا جمال المسارح وتطورها التقني وعدد الكراسي المعدة للمتفرجين، ونغفل أو نتغافل عن سطحية وابتذال الطرح المسرحي.
نصور القصور الشاهقة مبتهجين، وننسى الأزقة التي يملؤها المشردون.
مدارسنا تملأ الأحياء، ومناهجنا عاجزة عن بناء الأجيال والعقول.
هكذا أصبحنا قوالب جوفاء تملك من المدنية قشورها، ولا تملك روحها.

إن ما نحتاجه هو إعادة بناء الإنسان، والاهتمام ببناء الروح مزامنةً لبناء الجسد، نحتاج إلى انتشال الإنسان من واقعه المرير الذي يعيشه.
نحتاج إلى أن نرسخ مبدأ إن التطور ليس مقرونا بالمباني الشاهقة وحسب، كما أن الحضارة ليست مقرونة بالعمران الخاوي وفقط، بل إن ثوابتنا الإنسانية المستباحة، من عدل ومساواة وخير وتكافل، هي حضارتنا الحقيقية، ومهما حاولنا تزيين الواقع الرديء الذي نعيشه بكماليات ساذجة فلن نصل إلى المجتمع المتكامل.

و ما نظامنا الاقتصادي إلا صورة مصغرة لهذه الحالة المعكوسة التي تسود المجتمع، فمصانعنا الهائلة وما تنتجه من منتجات -يغلب عليها طابع الرفاهية- قائمة على أكتاف العمال الذي يبذلون جهدا جهيدا، وفي المقابل لا يتقاضون إلا مبلغا زهيدا، لا يتناسب مع حجم الجهد الذي يقومون به.

وبهذا أصبح الاقتصاد راعيا للبؤس وصانعا للفروقات الطبقية، حيث يتم بناؤه على مقياس (أرباح أصحاب العمل)؛ مما يجعله عملية مقامرة غير أخلاقية بعيدة كل البعد عن العملية الإنتاجية الحقيقية التي تقوم بوظيفة اجتماعية حساسة جدا.

فمهما تنوعت المنتوجات وتطورت التقنيات، فلن يستفيد المجتمع شيئا، طالما أنه لا يُعلي من شأن العامل الذي يحمل أعباء هذه الصناعات على عاتقه.

و علينا إن كنا نريد -حقا- الخروج من هذه الدائرة السوداء أن نستيقظ من هذه الأحلام الوردية التي ترسمها لنا الحكومات، وندرك جيدا أن هذه المظاهر الخادعة ماهي إلا خدع بصرية، وليست معيارا حقيقيا وأساسيا لعملية البناء والتطور الذي ننشده.

فمعرفتنا بالواقع تخبرنا بأن الإستاد الواسع لا يصنع فريقا بطلا، وأن أحدث تقنيات التصوير لن تستطيع وحدها أن تنتج طرحا (تلفزيونيا) راقيا، كما أن أبنية المدارس المجهزة بأحدث الوسائل التعليمية -وحدها- لا تربي جيلا واعيا مثقفا ومنتجا.

في النهاية نحن أمام مفترق الطرق، إما أن ننساق بسذاجة خلف كذبهم المستمر، أو نخلق لأنفسنا وعيا حقيقيا ينير لنا دربنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التمدن
عرض التعليقات
تحميل المزيد