الرجل العنصري والأناني والنرجسي المتمحور حول ذاته، هكذا وصفت صحيفة «The Observer» الإنجليزيَّة العريقة الرئيس الأمريكي الحالي «دونالد ترامب» «Donald Trump» في مقالتها الإفتتاحيَّة عن الإنتخابات الأمريكيَّة يوم الأحد قبل الماضي -وقبل بدأ سباق الانتخابات بيومين-، ولم تكتف بذلك بل قامت بإحصاء مساوئ «ترامب» وأكاذيبه مُنذ اللحظة الأولى التي وطأت قدميه فيها المكتب البيضاوي، وذلك بشأن عدد الناخبين الذين قاموا بالتصويت له، واستطردت لتصفه بأنه عار على البيت الأبيض وأنه استغل ووصم منصب الرئيس، فطريقته في إدارة البلاد أشبه بأساليب زعماء المافيا.

لم يحدث في تاريخ الولايات المُتحدة أن وصفت صحيفة أجنبية الرئيس الأمريكي بتلك الصفات، ولكن لم تكن «The Observer» وحدها التي فتحت النار على «ترامب»، فمنذ اليوم الأول له في البيت الأبيض قام العديد من الفنانيين الأمريكيين المرموقين بالسخرية منه ومن عنصريته، وعلى رأسهم «ميريل ستريب» «Meryl Streep» وذلك بعد سخرية «ترامب» من مراسل جريدة «النيويورك تايمز» الذي يعاني من إعاقة جسدية ظاهرة.

كما ظهرت عدة كُتب هاجم مؤلفوها «ترامب» وسياساته بطريقة مُباشرة، لعل أبرزها ما كتبته ابنة شقيقه «ماري لي ترامب» «Mary Lea Trump» تحت عنوان «كثير جدًا وغير كافٍ أبدًا» «Too Much and Never Enough»، وفيه تقوم بتحليل شخصية عمها من خلال عملها طبيبة نفسيَّة، وتسرد تاريخه «المُشين» وغير المُشرف والذي امتلأ بالتلاعب وإرهاب الآخرين، وتعهدت بأنها ستُهاجر إلى بريطانيا تاركةً الولايات المُتحدة الأمريكية إذا فاز عمها «ترامب» بفترةٍ رئاسيَّةٍ ثانيَّة.

ناصب «ترامب» ونظام حكمه العداء للنساء والأقليات، فرأينا استهانته باللاتينيين ومناداته ببناء جدار فاصل بين الولايات المُتحدة والمكسيك، والذي كان يردد دائمًا بأنه يجب أن يكون خرسانيًا منيعًا وليس مجرد سياج مُهترئ بأماكن مُتفرقة كالسابق، وأقام حملة أطلق عليها «نحن نبني الجدار» لجمع التبرعات وكان يترأسها أحد كبار مُستشاريه ومدير حملته السابق «ستيف بانون» «Steve Bannon» والذي أدين بقضايا تتعلق بالفساد وسرقة الأموال التي قام بجمعها من تلك الحملة وذلك في نهايات شهر أغسطس الماضي.

ورأينا ما كتبته عنه «ميشيل أوباما» «Michelle Obama» في مذكراتها «وأصبحت» «Becoming» وعن تلك الحادثة التي وصفتها بـ«المُقززة» والتي افتخر فيها «ترامب» أمام الجميع -في لقاءٍ تلفزيوني منذُ بضعة سنوات وأعيد إذاعته عندما ترشح للرئاسة- بأنه يقوم باستغلال النساء والتحرش بهن، وتعجبت «ميشيل» من النساء اللائي قمن بإعطاء أصواتهن لـ«ترامب»، وتسألت عن مدى وعيهن وإدراكهن لما فعلن، وكيف أنهن قمن بانتخاب شخص عنصري يحتقر النساء ويقوم بتلفيق الأكاذيب والشائعات.

وقد رأينا جميعًا سخرية «ترامب» الدائمة من عضوتي الكونجرس من أصولٍ عربية مُسلمة «رشيدة طليب» و«إلهان عُمر» ونعته لـ«طليب» بالمجنونة والمُختلة ومطالبته لها بترك الولايات المُتحدة والعودة لبلدها.

كما وُصف «ترامب» بأنه رئيس لذوي البشرة «البيضاء»، ولقد تابع العالم أجمع الأحداث المؤسفة التي مرت بها الولايات المُتحدة في مايو الماضي عقب مقتل الأمريكي ذو الأصول الأفريقية «جورج فلويد» «George Floyd» على يد شرطيٍ أبيض البشرة وكيف تعاملت الشرطة مع المُحتجين آنذاك، وكيف تكررت حوادث اعتداء الشرطة على الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ونتج عن تلك النظرة العنصرية والاستهانة المُتعمدة حدوث انقسامات حادة داخل المُجتمع الأمريكي وزاد شعور الأقليات بالتهميش وانتقاص حقوقهم.

أما على الصعيد الخارجي فقد رأينا مساعدته لنظام الحكم العسكري الدموي في مصر، وفي تصريح علني لـ«ترامب» أثناء قمة الدول السبع «G7 summit» في شهر أغسطس من العام الماضي قام بالإشارة إلى «السيسي» بأنه «ديكتاتوره المُفضل».

كما عمل «ترامب» وصهره «جاريد كوشنر» «Jared Kushner» بدور القاتل المأجور في المنطقة العربية، فرأينا ما فعلاه في سوريا واليمن بإيعاز من الإمارات والسعودية وابتزازه لأنظمة الحكم في البلدين بالإضافة للبحرين -الحليفة معهم في محور المقاطعة لجارتهم بمجلس التعاون الخليجي قطر- ليقوموا بدفع عشرات المليارات من الدولارات بدعوى إنشاء مشاريع مُشتركة حتي يقوم بالسكوت عن جرائمهم بحق شعوبهم وبحق شعوب المنطقة العربية المنكوبة.

وذلك ما دفع حكام الإمارات والبحرين بدعم حملة إعادة انتخاب «ترامب» والتبرع لها بملايين الدولارات، ولكنهم على ما يبدو قد راهنوا على الحصان الخاسر، فهزيمة «ترامب» المدويَّة أصبحت حديث الصحف ومحطات التلفزة العالمية على مدارِ الأربع وعشرينَ ساعة.

ونتيجة لتلك السياسات العنصرية داخليًا، والخرقاء خارجيًا، فقد قامت حملة واسعة النطاق ضد إعادة انتخاب «ترامب» من داخل الحزب الجمهوري نفسه، وذلك لأول مرة مُنذ إنشائِه، وقع عليها أكثر من 140 شخصية سياسية من أوجه الحزب المرموقة -أعضاء كونجرس سابقين وحاليين وقد عمل بعضهم وزراء لإداراتٍ مُختلفة-، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأسبق «كولن باول» «Colin Powell» الذي وصف «ترامب» بالكاذب وأنه يقتطع القانون وتعهد بالتصويت لـ«جو بايدن» «Joe Biden»، وذلك في تصريحٍ له للرد على تهديدات «ترامب» للمتظاهرين عقب مقتل «جورج فلويد» بأن الجيش سيقوم بقمع الاحتجاجات التي يقومون بها وذلك في بدايات شهر يونيو الماضي.

ذلك التعهد بدعم «بايدن» كانت قد اذاعته أيضًا «سيندي ماكين» «Cindy McCain» زوجة السيناتور الراحل «جون ماكين» «John McCain» الذي كان نائبًا عن ولاية «أريزونا» «Arizona» وقد قام «ترامب» بتوجيه سخرية وانتقادات لاذعة له قبل موته، وقد قامت «سيندي» بحملة دعم واسعة النطاق، خسر «ترامب» عن طريقها أصوات الولاية، التي كانت تُعرف طوال عقودٍ طويلة بأنها جمهورية بامتياز.

وخسر «ترامب» أمام «بايدن» بفارق كبير في أصوات المُجمع الانتخابي، وهو الآن في مرحلة القعقعة بدون طحين يتوعد ويُهدد برفع القضايا هنا وهناك، والتي يظهر جليًا عدم وجود سند قانوني لها، فقد رفضتها محكمة ولاية «ميتشجان» «Michigan» بل ووبخت محاميّ «ترامب» على ترويجهم للشائعات.

إذن فالولايات المُتحدة الآن في مرحلة «التخلص» من نظام «ترامب» والذي سيتحقق بصورة نهائية يوم التنصيب الرسمي لخصمه الفائز في العشرين من يناير 2021، أي بعد شهرين من الآن تقريبًا.

وقد تعهد «بايدن» في خطاب الفوز بأنه «سيكون رئيسًا لكل الأمريكيين»، كما تعهد أيضًا بأنه سيمحو كل سياسات سلفه الخارجية وخصوصًا تلك المُتعلقة بدول الخليج، و«ديكتاتور ترامب المُفضل» بحسب تصريحه، ولا يخفى على أحد أن «بايدن» كان صديق شخصي للصحفي الراحل «جمال خاشقجي» الذي اختُطف داخل سفارة بلاده بأسطنبول، وقامت قوة خاصة أحُضرت من السعودية خصيصًا لتلك المهامة بقتله وتقطيع جثمانه وإخفاء البقايا، والتي لم يتم الوصول لمعظمها حتى اليوم، وذلك بأمر مُباشر من ولي عهد السعودية «محمد بن سلمان».

وكما يتضح من تصريحات «بايدن» فإن أيام حكام الإمارات والسعودية و«العسكر» في مصر للقمع بدون حساب والقتل والاختطاف العابر للقارات باتت معدودة، وعليهم أن يجدوا طريقًا آخر لمحو معارضيهم وإسكات الأصوات التي تنادي بمستقبلٍ يطمحون أن يكون أفضل في ظل حرية وديمقراطية بعيدة عن الآلة العسكرية وتكميم الأفواه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد