بصعوبة بالغة وسخط كبير تعامل المجتمع الأمريكي مع فوز المرشح عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016 الذي نزل خبره كالصاعقة على العالم بأسره، لكن مع اقتراب انتهاء السنة الحالية تتجه الأنظار إلى معرفة ما الذي يمكن أي يقدمه الحزب الديمقراطي في انتخابات 2020.

المثير في الأمر أنه قبل أشهر قليلة من بدء الانتخابات التمهيدية، أظهرت نتائج استطلاع مشترك لصحيفة واشنطن بوست وشبكة «إي بي سي» تفوق نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بفارق مريح نسبيًا على سائر منافسيه في الحزب الديمقراطي حيث حصل على دعم 28.9% من الناخبين الديمقرطيين المحتملين مقابل 17.1% لبيرني ساندرز فيما تراجعت نسبة إليزابيت وران إلى 16.5%، الحديث عن النسب والاحتمالات ربما يكون مبكرًا الآن لكن في حال صدقت التوقعات فمن هذا المنافس المتحمل لترامب؟

بادين الذي تجاوز سنه السادسة والسبعين عامًا يعد من أكبر المرشحين لمنصب كهذا في تاريخ الولايات المتحدة، كما أن للرجل باعًا طويلًا في الأروقة السياسية ومحبب أيضًا في الأوساط الأمريكية، لكن لديه سجلًا حافلًا من الخطابات التي تحتوي على المعلومات غير الدقيقة وهفوات كإعطاء تواريخ خاطئة أو حتى ذكره أماكن لم يقصدها، وهو الأمر الذي تتهافت عليه وسائل الإعلام لإبرازها كمعلومات مغلوطة بقصد أو عن غير قصد، وهذا الأمر قد يثير الشكوك والتكهنات حول قدرته على الدخول في حملة انتخابية طويلة الأمد أمام شخص كترامب الذي يجيد بخطاباته الاستعراضية إهانة الخصوم وفي حال خوض هذه الحرب ستكون تكلفة الاختيار هذه قاسية على الحزب الديمقراطي.

ومن بين تصريحات بايدن التي أُثارت ضجة كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكية مؤخرا قوله بأن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن خدعه حين قرر شن حرب على العراق عام 2003، فالرجل الذي صوت في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2002 بالموافقة على قرار الدخول في المستنقع العراقي عسكريًا يزعم قبيل خوضه الانتخابات بأنه تفاجأ حين تمت الإطاحة بنظام صدام حسين عبر الخيار العسكري، يضاف إلى هذا رأيه الذي أثار جدلًا كبيرًا في الأوساط العراقية حين دعا إلى تقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات: كردية، وسنية، وشيعية.

ويعد الرجل من الليبراليين المعتدلين ولا ينتمي لأقصى اليسار فهو يؤيد فكرة إرسال قوات أمريكية إلى السودان لحل ملف دارفور، ومعروف بتأييده الشديد لإسرائيل، فضلًا عن مناصرته لحل الدولتين لمعالجة القضية الفلسطينية.

أما عن نظرته للملف الإيراني فهو يؤيد الخيار الدبلوماسي في التعامل مع طهران بالتوازي مع استخدام العقوبات كأداة ضغط، ويشار إلى أنه صوت ضد اعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

وفي ملف المهاجرين يأخذ عليه بأنه ينظر بعين ترامبية خالصة على المهاجرين غير القانونين القادمين عبر حدود المكسيك فهو يدعم فكرة بناء سور فاصل على حدود البلدين لصد هذه الموجة، وفي ذات الوقت يؤيد منح تأشيرات للعمال الزائرين.

وهنا يظهر السؤال الأبرز ما الذي سيدفع الناخب الأمريكي أو المجمع الانتخابي المكون من 538 مندوبًا بالظن أن بايدن هو الرجل الذي سيقارع ترامب وينهي إرثه سيئ الصيت؟ فما الذي سيجلبه هذا الرجل الذي لا يملك الكثير من الأوراق؟ ففي حال فوزه على أٌقرانه في الحزب الديمقراطي فلن يكون سويًا، ونسخة مكررة لهيلاري كلينتون وورقة محروقة لعبها الحزب الديمقراطي سابقًا في انتخابات 2016، وجاءت النتائج مدوية ومخيبة للآمال.

انتخاب بادين الآن وفوزه يعني ثمة شيء واحد وهو الحنين إلى مرحلة باراك أوباما والنأي بالنفس عن ولاية مجنونة أخرى من ترامب, وفي حال حدث ذلك بالفعل وأزاح الرجل شبح ترامب عن البيت الأبيض يطفو سؤال آخر على ذهن الناخب الأمريكي، ما الذي يكمن في جعبة بايدن للفوز بالانتخابات التي تليها؟

نظرة أعمق تقود إلى أن البلد الذي تقوده المؤسسات يئن الآن تحت انقسام مجتمعي وسياسي غير مسبوق، فبايدن الذي خسر بعد الترشح عن الحزب الديمقراطي للرئاسة في عامي 1988 و2008 ينظر إليه الآن كطوق نجاة للخلاص من جنون وعنصرية ترامب، رغم وجود أسماء أخرى تنتمي لأقصى اليسار مثل: لبيرني ساندرز، وإليزابيت وران، أشهر معدودة تفصلنا عن معرفة الإجابة، فلا يمكن للمخيلة الغارقة في الحيرة والترقب التخمين بما قد تجلبه هذه الانتخابات التي ستتجه إليها جميع أنظار بدون شك في ظل اتساع رقعة التيارات اليمنية الحاكمة لأكثر دول العالم انفتاحًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد