تختتم اليوم جولة الاقتراع العام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، الانتخابات التي تحظى بأكبر نسبة متابعة في العالم مما يدل على أهميتها وأثرها الكبير خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية.

الانتخابات الأمريكية وإن كانت تبدو شديدة التنافسية هذه المرة، وهو الأمر الذي قد يتراءى للكثيرين من متابعة أغلب استطلاعات الرأي الأخيرة أو مشاهدة البرامج الحوارية على الشبكات الإخبارية فإنها في حقيقتها محسومة بنسبة كبيرة لصالح هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي.

الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الواقع ومنذ 2008 أصبحت شبه محسومة لأي مرشح ينتمي للحزب الديمقراطي للعديد من الأسباب منها التغيرات الديموغرافية الكبيرة في الولايات المتحدة أو لتبني الحزب الجمهوري لسياسات وخطاب لا يحظى سوى بتأييد قطاع متعصب من طبقة الأمريكييين البيض ولا يحظى بدعم الأغلبية أو حتى لعدم قدرة الحزب الجمهوري على إنتاج مرشح يحظى بقدر كبير من القبول العام بين الشعب الأمريكي.

لكن لماذا القول بأن الانتخابات الرئاسية شبه محسومة؟

في البداية، فنظام الانتخابات الأمريكية يعتمد في صلبه على المجمع الانتخابي Electoral College. المجمع الانتخابي يتشكل من 538 مندوبًا عن الولايات الخمسين. كل ولاية لها عدد من المندوبين يتساوى مع عدد ممثلي الولاية في الكونجرس الأمريكي (مجلس النواب ومجلس الشيوخ). تمتلك كاليفورنيا الحصة الأكبر من المندوبين بواقع 55 مندوبًا مقابل ولايات أخرى أقل تأثيرًا بكثير مثل ولاية وايومينج التي تمتلك ثلاث مندوبين فقط.

من خلال نتائج الانتخابات – الرئاسية والبرلمانية – في السنوات الأخيرة يمكن تحديد عدد من الولايات التي تصوت بشكل دائم لصالح المرشح الديمقراطي ومثلها ولايات تصوت بشكل دائم لصالح مرشح الحزب الجمهوري. يمكن القول بأن هناك 19 ولاية محسومة للديمقراطيين مقابل 22 ولاية محسومة للجمهوريين، لكن التسع عشرة ولاية «الديمقراطية» يمتلكون 242 مندوبا في المجمع الانتخابي مقابل 180 مندوب للولايات الاثنتي وعشرين «الجمهورية»، بمجموع 422 مندوب بما يعني أن العدد المتبقي هو 116 مندوبا موزعين على تسع ولايات. خمس من الولايات التسع «شبه» محسومين لصالح مرشح أحد الحزبين، ثلاث منها لصالح كلينتون واثنتان لصالح ترامب.

يتبقى أربع ولايات وهي التي تُعرَف بالولايات المتأرجحة swing states وهي حتى الآن ولايات فلوريدا وأوهايو وكولورادو ونيفادا. وبرغم أنها من المفترض أنها ولايات متأرجحة بين مرشحي الحزبين الكبيرين فقد صوتت كلها لصالح الديمقراطيين في الانتخابات السابقة في 2008 و2012 مما يعني أنها أقرب للديمقراطيين.

الرقم السحري هو 270، المرشح الذي يفوز بأصوات 270 مندوبًا في المجمع الانتخابي يصبح الرئيس وذلك لأن النسبة المطلوبة للفوز هي 50%+1.

بالعودة للأرقام السابقة نجد أن كلينتون لديها أصوات 242 محسومين و15 شبه محسومين بمجموع 257 أي أنها تحتاج أصوات 13 مندوبًا فقط من الولايات الأربع المتأرجحة. كلينتون ستحصد هذه الأصوات لو فازت بفلوريدا وحدها (29 مندوبًا) أو أوهايو (18 مندوبًا) وحدها، أو بأصوات ولايتي كولورادو (9 مندوبين) ونيفادا (6 مندوبين) معًا. وكما ذكرنا فإن أوباما فاز بالولايات الأربع كلها في الانتخابات السابقة.

يمتلك ترامب على الجانب الآخر أصوات 180 مندوبًا من ولايات محسومة بالإضافة إلى أصوات 26 مندوبًا من ولايات شبه محسومة بمجموع 206 صوتًا في المجمع الانتخابي بما يعني أنه يحتاج إلى 64 صوتًا إضافيًا، أي أن ترامب يحتاج للفوز بكل الولايات المتأرجحة (62 صوتًا) بالإضافة لإحدى الولايات شبه المحسومة للديمقراطيين.

هذا الأمر يبدو بعيدًا جدًا خاصة في ظل أن ترامب يعاني في ولايات اعتادت على التصويت للجمهوريين تاريخيًا، بمعنى أن ترامب ربما لن يستطيع حسم ولايات كانت مضمونة لأي مرشح جمهوري فيما سبق.

ولايات مثل أريزونا أو جورجيا أو ميزوري كانت دومًا محسومة للجمهوريين أو ولاية مثل نورث كارولينا كانت شبه محسومة لهم تشهد كلها تنافسًا كبيرًا بين المرشحين الرئاسيين حتى أن هيلاري كلينتون تسبق ترامب في أريزونا. كل هذه الولايات فاز بها (ميت رومني) في سباق 2012 على سبيل المثال ولكنه لم يستطع حسم السباق الرئاسي لصالحه في النهاية، فما بالك وأن ترامب ربما لن يستطيع الفوز بها.

وبينما استطاعت هيلاري كلينتون تركيز جهودها وحملاتها الدعائية المكلفة على الولايات المتأرجحة في الفترة الأخيرة فإن حملة ترامب مضطرة لتقسيم جهودها بين الدفاع عن تفوق تاريخي في ولايات كانت حمراء وبين محاولة الفوز بالولايات المتأرجحة مما يعني تشتتًا كبيرًا في الجهود والحملات الدعائية.

لكل هذه الأسباب فإن السباق شبه محسوم لصالح هيلاري كلينتون، وهو ما يتفق معه توقع موقع (فايف ثيرتي إيت)  الذي يتوقع فوز كلينتون بالانتخابات بنسبة 72% تقريبًا.

إذا لماذا يبدو السباق شديد التنافسية في مرحلته الأخيرة؟

باختصار شديد، لأن السباقات المحسومة لا تحصد أموالًا كثيرة. فكّر معي، أيهما يحصد نسبة مشاهدة أعلى، الدوري الإنجليزي أم الدوري الفرنسي أو حتى الدوري الأسباني؟ الدوري الإنجليزي هو أكثر دوريات العالم مشاهدة بسبب التنافسية العالية فيه.

بالمثل فإن سباق انتخابي شديد التنافسية يعني المزيد من أموال المتبرعين لحملات المرشحين, المزيد من أموال للدعاية, يعني كذلك مادة خصبة للمحطات الإخبارية والشبكات الإعلانية.

الانتخابات الديمقراطية في دولة رأسمالية هي – بجانب دورها الأصلي كآلية لإدارة التنافس – منظومة هائلة لجني مليارات الدولارات.

بالتأكيد لا نحتاج للتأكيد أنه لا يمكن لعاقل المقارنة بين ديمقراطية بها قدر من العيوب وديكتاتوريات يقوم فيها الحكام بالاستيلاء على السلطة وسحق معارضيهم ثم نهب مليارات الدولارات دون الحاجة لرضا الشعوب التي لا كلمة لها في اختيار حكامها أو سياسات بلادها. فقط وجب التنويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد